وكنت أتأمل بعد ذلك في سورة البقرة نفسها كيف يعدد الله نعمه على بني إسرائيل في ست آيات، فيها أنه فضلهم على العالمين، وأنه نجاهم من آل فرعون، وأنه فرق بهم البحر فأغرق آل فرعون، وأنه عفى عنهم بعد اتخاذهم العجل، ثم بعد هذا التعديد العجيب لقائمة النعم، يختم بوظيفة ذلك كله {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 52] ..
كل هذا السياق يراد به عمارة النفوس بالله بأن تلهج الألسنة والقلوب بتذكره وشكره تعالى ..
بل يذكر الله تعالى في البقرة - وأعاده في مواضع أخرى أيضًا - كيف اقتلع تعالى جبلًا من الجبال ورفعه حتى صار فوق رؤوس بني إسرائيل، لماذا؟ ليربي فيهم شدة التدين والتعلق بالله، يقول تعالى في البقرة: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63] . وقال في الأعراف {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [الأعراف: 171] ..
كل هذا لتعمر النفوس بالتشبث بكلام الله تعالى {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} .