الصفحة 273 من 454

والانفعال لا يكون إلا عن قاهر يقهر طبيعة المنفعل ، ويمنعه عن المقاومة ، فيوهنه ( لوحة 320 ) ، فتتوهن القوة القائمة به معه . والقوة العقلية بإدراك المعقولات تزداد قوة . وإذا عرض للنفس ملال عند التفكر في المعقولات ، فإنما ذلك باعتبار القوى الجسمية ، ولو كان ذلك لكلال النفس لما كان موجب كللالها مشحذ قوتها . ومن تلك الحجج الاقناعية ، أنها لو كانت جسمانية ، لما أدركت الضعيف عقيب القوي ، كما لا تدرك الرائحة الضعيفة أثر القوية ، ولا النور الضعيف بعد القوي ، والقوة العقلية ربما قواها إدراك القوي على إدراك الضعيف ، فضلا عن أنه لا يضعفها عنه . ومما يحتج به أيضا ، أنه لو كانت النفس جسمانية لكلت بعد سن الوقوف عند الانحطاط ، ونجد ذلك في الأغلب بعد الاربعين . فكان يلزم اختلاف الشعور بذاتها ، وبمعقولاتها ، وليس كذا . ولو كان الهرم لكلال النفس لاطرد في كل شيخ ، ولما كانت الأفكار المؤدية إلى العلوم مضعفة للدماغ . ونحن نجد كثيرا من المشايخ تضعف جميع قواه إلا العقل ، فإنه يكون إما ثابتا ، وإما في طريق الازدياد . فحرف بعض المشايخ ، واختلال عقل بعض المرضى ، ليس إلا لأن الشيء قد يعرض له من غيره ما يشغله عن فعل نفسه ، لا لأنه لا فعل له في نفسه . وقد ذكر في بيان هذين المطلبين أدلة كثيرة ، لم أر التطويل بذكرها . على أن بعض ما ذكرته كاف في بيانهما ، فإن البرهان على أن المدرك منا ليس بجسماني ، يستغني عن بيان أنه ليس بمزاج البدن ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت