الصفحة 289 من 454

من القوة النورية ما ينوره ، فلا يرى لعدم الاستنارة ، لا لكونه قريبا ، وكذا كل مفرط القرب والبعد المفرط في حكم الحجاب ، لقلة المقابلة . ولعله كلما كان الشيء أقرب كان أولى بالمشاهدة ما بقي نورا ومستنيرا ، كالشمس ، لو كانت في القرب ، مثل الجفن ، وفي المرئيات ما هو مرئي بالعرض ، كالوضع والتشكل والتفرق والاتصال والعدد والبعد ، والملاسة والخشونة ، والحركة والسكون ، والشفيف والظلمة والكثافة ، والقبح والحسن ، والتشابه والاختلاف ، والضحك والبكاء ، والطلاقة والعبوس ، وغير ذلك . فإن كل ذلك إنما يدرك بأن يشارك البصر قوة أخرى ، أو قوى أخر ، أو لعدم الابصار ، كما في الظلمة ، فيكون مرئيا بالمجاز . والحواس الباطنة في الانسان على ما وجدناه ، وإن احتمل إمكان غيرها ، لم نجده من أنفسنا خمسة أيضا ، بعدد الظاهرة: أولها - الحس المشترك ، وآلتها التجويف الأول من الدماغ ، وهي تدرك جميع الصور التي تدركها الحواس الظاهرة متأدية إليها ، وإليها يرجع أثرها ، وفيها يجتمع ، وكأنه رواضع لهذه القوة ، ولولاها ما أمكن لنا أن نحكم أن هذا المشموم ، هو هذا الأبيض ( الحاضرين ) فإن الحس الظاهر منفرد بأحدهما ، والحاكم لا بد له من حضور الصورتين ، حتى يحكم بجمع أو تفريق بينهما . وثانيهما - المصورة ، وتسمى الخيال أيضا ، ويجتمع فيها مثل جميع المحسوسات ، بعد غيبتها عن الحواس الظاهرة ، وهي خزانة لتلك القوة ، وهي في ذلك التجويف أيضا ، وجاز كونها في موضع آخر منه . ويدل على تغايرهما أن القبول بقوة غير القوة ، التي بها الحفظ ، واعتبر ذلك من الماء ، فإن له قوة النقش ، وليس له قوة تحفظه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت