فهرس الكتاب
ولأن المدرك الحافظ والمتصرف شيء واحد ، يصدر عنه كل فعل باعتبار آلة أو قوة متعلقة بها . وإنما هدي الناس إلى القضية بأن التجاويف المذكورة هي الآلات في الانسان ، أن الفساد إن اختص بتجويف أورث الآفة فيه ، كما دلت عليه التجارب الطبية ، ولا يتميز بهذا البيان موضع المدرك من موضع الحافظ . ولا تتبين به أيضا موضع القوة الوهمية ، فإن الأطباء لم يتعرضوا إلا للخيال الذي آلته البطن المقدم من الدماغ والفكر الذي آلته البطن الأوسط ، المسمى بالدودة ، وللذكر الذي آلته البطن الأخير ، وحامل جميع القوى النباتية والحيوانية ، ( و ) هو الروح ، وقد سبق ذكره ، وعلم أنه غير النفس الناطقة ، وإن سميت روحا أيضا . وهو جسم لطيف يتولد في القلب ، ويحصل من لطافة الاخلاط وبخاريتها فما يسري منه إلى الكبد ، تتم به الأفعال النباتية ، وما يصعد إلى الدماغ ويعتدل بتبريده يتم به أفعال الحس والحركة الارادية . وكما وصل إلى عضو هو آلة فعل ، اكتسبت من مزاج ذلك العضو مزاجا ، يستعد به لقبول قوة تؤثر ذلك الفعل . وإذا وقعت سدة تمنع من سريانه إلى عضو ، بطل فعل ذلك العضو . وإذا انحبس إلى باطن البدن ، كما في النوم ، تعطلت الحواس الظاهرة ، وقويت أفعال الباطنة ، وأفعال القوى الطبيعية ، ولولا لطافته لما صح سريانه في شباك الأعصاب والعظام ، وكل ذلك دلت التجارب الطبية عليه .