الصفحة 300 من 454

وههنا تفنى القوة الحيوانية ، ثم القوة الحيوانية بالجملة تخدمها القوة النباتية ، وأولها وأرأسها المولدة ، ثم المربية تخدم المولدة ثم الغاذية تخدمها جميعا . ثم القوى الطبيعية الأربع ، تخدم هذه ، والهاضمة تخدمهما من جهة الماسكة ، ومن جهة الجاذبة والدافعة . وتخدم جميعها الكيفيات الأربع . لكن الحرارة تخدمها البرودة ، وتخدم كلاهما اليبوسة والرطوبة وجاز أن تكون النظرية والعملية مجرد اعتبارين للنفس لا غير . وجاز كونهما بسبب قوى ثابتة في النفس أو هيئات ولا مانع أن يكون كمال القوتين ونقصانهما ، بسبب استعدادات تلحق من القوى البدنية ، وأحوال المتخيلة وكثرة التفات النفس وقلته إلى أحد الجانبين ، أعني: العالي والسافل . ولأحوال المزاج فيه مدخل ، كما قد يكون بعض الناس مزاجه يناسب الغضب أكثر ، وبعضه الأمور الشهوانية ، وهكذا الخوف والغم وغيرها . ولا يعرض ذلك للنفس من حيث جوهرها ، بل بعضه يعرض للبدن من حيث هو ذو بدن ، كالشهوة والغضب . وللمباديء الغائبة عنا فيما يحدث في النفس مدخل عظيم ، قد سبق منه أنموذج . والنفس هي أصل القوى كلها ، وليس فينا نفس إنسانية وأخرى حيوانية وأخرى نباتية ، لا يرتبط فعل بعضها بفعل بعض ، فإن لك أن تقول: أحسست ، فغضبت ، وأدركت فحركت فمبدأ الجميع أنت ، وأنت نفس شاعرة ، كل القوى من لوازمها ، وهي بجملتها آلات لها ، إذ المحركة ليست إلا لجلب النافع ، أو دفع الضار . والمدركة ليست إلا كالجواسيس التي تنتقص الأخبار ، والمصورة والذاكرة ، هي لحفظها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت