الصفحة 316 من 454

والعارف إذا توجهت نفسه إلى العالم القدسي استتبعت القوى الجسمانية ، فوقفت الأفعال النباتية ، فلم يقع من التحلل إلا دون ما يقع في حال المرض ، إذ في المرض حرارة غريبة محللة ، ومضاد مسقط للقوة وعدم ( لوحة 332 ) السكون البدني ، الذي يقتضيه ترك القوى البدنية أفاعيلها عند مشايعتها للنفس . وكذلك إذا بلغك أن عارفا أطاق بقوته ما خرج عن وسع مثله فإن الغضب ، والانتشاء المعتدل والفرح المطرب ، يزيد في القوة زيادة كثيرة ، والحزن والخوف ينقصها نقصانا كثيرا ، فلا عجب لو ارتاح العارف ارتياحا ، يولي قوته سلاطة أو غشيته عزة تشعل قواه حمية ، ويكون ذلك أعظم مما يكون عند طرب أو غضب لغير ذلك . وأول درجات حركات العارفين هي الارادة ، وهي أول حركة النفس إلى الاستكمال بالفضائل . وقبلها التوبة ، وليست بحركة ، إنما هي عبارة عن عن تألم النفس على ما ارتكبت من الرذائل ، مع جزم القصد إلى تركها ، وتدارك الفائت ، بحسب الطاقة . ثم يحتاج في نيل الكمال الحقيقى إلى الرياضة ، وهي: منع النفس عن الالتفات إلى ما سوى الحق ، وإجبارها على التوجه نحوه ، ليصير الانقطاع عما دونه ، والاقبال عليه ملكه لها ، وذلك إنما يتم بإزالة الموانع الخارجية بتنحيه ما دون حق عن سنن الايثار . والداخلية بصرف قوى التخيل والتوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي ، وبتهيئة ( الشر ) لأن تتمثل فيه الصور العقلية بسرعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت