الصفحة 326 من 454

لما هو الحسن والخير المطلقين . وهذا أتم وأفضل من كمالات القوى الأخرى ، بل هو في مرتبة يقبح معها أن يقال: إنه أفضل وأتم ، إذ لا نسبة له إليه فضيلة وتماما وكثرة ، وسائر ما يتم به التذاذ المدركات ، مما ذكر . ثم كيف يقاس دوام الأبدي بدوام الفاسد المتغير ، وكيف يكون حال ما وصوله بملاقاة السطوح ، إلى ما هو متغلغل في كنه المدرك ، وكيف يقاس كمال الادراك إلى الادراك ، والمدرك إلى المدرك . فإن العقل أكثر عدد مدركات من الحس ، وأشد تقصيا ( لوحة 335 ) للمدرك وتجريدا له عن الزوائد ، وخوضا في باطنه وظاهره . وشواغل البدن وعوائقه تمنع من الاشتياق إلى ذلك الكمال اشتياقا يناسب مبلغه . فإن اشتغال النفس بالمحسوسات يمنعها من الالتفات إلى المعقولات فلا تجد منها ذوقا ، فلم يحصل لها إليها شوق كالعنين الذي لا يشتاق إلى الجماع ، والأصم الذي لا يشتاق إلى سماع الألحان . واستمرار وجود ما هو أضداد كمالات النفس ، وكونها مشتغلة بغيرها يمنعها عن إدراك ما ينافيها ، من حيث هو مناف لها ، فلا تتألم بحصوله لها ، كالمرور الذي ربما لم يحس بمرارة فمه ، إلى أن يصلح مزاجه . والذي هو كريم النفس إذا تأمل عويصا يهمه ، وعرض عليه شهوة ، وخير بين الطرفين استخف بالشهوة . والأنفس العامية أيضا قد تؤثر الغرامات والآلام ، الفادحة ، بسبب افتضاح أو شوق إلى أمر عقلي . وإذا انفصلنا عن البدن ، وكانت النفس منا تنبهت فيه ، لكمالها الذي هو معشوقها ، ولم تحصله . وهي بطبعها نازعة إليه ، إلا أن اشتغالها بالبدن أنساها إياه ، كما ينسى المريض الاستلذاذ بالحلو ، ويميل إلى المكروهات بالحقيقة ، تألمت بفقده تألما كبيرا ، وكان مثلها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت