الصفحة 325 من 454

واختلافها يكون كمالا لها أو نقصا ، فهي إذن لا تنعدم ألبتة . وأنت تعلم أن النفس إذا فارقت البدن ، ولم تتعلق ببدن آخر ، فإنه يزول عنها الاشتغال بقوى البدن ، فيخلص لها اشتغالها بذاتها ، فتشاهد ذاتها مشاهدة تامة . وقد عرفت معنى هذه المشاهدة ، ولا شك أن الشعور بالوجود سعادة ، وإذا فارقنا البدن ، كان شعورنا بذواتنا أتم ، لأنا لا نشعر بذواتنا ، مع العلاقة البدنية ، إلا مخلوطا بالشعور بالبدن . وكذلك تكون معقولاتنا أتم تجردا ، وذلك لأنا لا نعقل سببا ونحن بدنيون ألا ويقترن به خيال ، أو ما يشبه الخيال . فإذا انقطعت العلاقة بين النفس والبدن ، وزال هذا الشوب ، صارت المعقولات العقلية ، والشعور بالذات مشاهدة ، فكان التذاذ النفس بحياتها أتم وأفضل . وللنفس باعتبار كل قوة نفسانية لذة وخير وأذى وشر ، يختص بتلك القوة . فلذة الشهوة الكيفية الملائمة ، ولذة الغضب الظفر ، ولذة الوهم الرجاء ، ولذة الحفظ تذكر الأمور الماضية . وأذى كل واحد منها ما يضاده ، وكل ما كماله أفضل وأتم وأدوم وأكثر وأوصل إليه ، فاللذة له أبلغ وكذا الذي هو في نفسه أكمل فعلا ، وأفضل وأشد إدراكا . والكمال الخاص بالنفس الناطقة ، من جهة القوة العقلية ، أن يصير عالما عقليا مرتسما فيه صورة الكل ، والنظام المعقول فيه ، والخير الفائض إليه ، فيكون حينئذ موازيا للعالم الموجود كله ، مشاهدا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت