الصفحة 341 من 454

وأيضا فالنفس أشرف من الجسم ، والشيء لا يوجد ما هو أشرف منه . ومع هذا فالتجربة دلت على أنه لا يفعل إلا بمشاركة الوضع ، فلا يؤثر في النفس التي لا وضع لها . ومحال أيضا أن يكون فاعل النفس نفسا أخرى غيرها لأنهما إن تساويا أعني النفس التي هي علة والنفس التي هي معلولة لها في الطبيعة النوعية ، من غير أن تكون إحداهما أقوى في ذاتها من الأخرى ، لم يكن كون هذه موجدة لتلك بأولى من أن تكون تلك موجودة لهذه . فإن اقترن بأحدهما مخصص كان ذلك المخصص إما هو علة الأخرى فيكون القائم بذاته معلولا لما لا قوام له بذاته . وأما هو جزء من علتها ، فتكون علة البسيط مركبة ، وكلاهما قد سبق إبطاله . وإن لم يتساويا في الكمال والنقص الذاتيين ، فيمتنع أيضا أن تفعل إحداهما الأخرى من حيث أن الفاعلة نفس ، لأن النفس وإن كان قوامها بذاتها ، لا بمواد الأجسام ، فهي من حيث هي نفوس إنما تفعل بواسطة الجسمية ، فإنها إنما جعلت خاصة بجسم ، بسبب أن فعلها من حيث اختصاصها بذلك الجسم ، لا يتم إلا به وفيه ، وإلا لكانت من هذه الحيثية مفارقة الذات والفعل جميعا له ، فلم تكن نفسا بالقياس إليه . وهي من حيث تفعل لا بمشاركته هي عقل لا نفس ، ولو فعلت النفس نفسا كيف كان فلا بد من الانتهاء إلى نفس لا تكون علتها القريبة نفسا ، ولا غير نفس ، مما سبق إبطال كونه علة فاعلية لها . فلم يبق أن تكون علتها الفاعلية من غير واسطة ، إلا العقل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت