فهرس الكتاب
ويمكن اختصار هذا ، بأن الحاوي لا يمكن أن يوجد المحوي أو وهو متشخص ، ولا يتصور تشخصه إلا وأن يكون المحوي موجودا ، لامتناع الخلاء فلو أوجد المحوي لكان المحوي متقدما على نفسه تقدما بالذات وذلك محال . وكون الحاوي والمحوي ممكنين لا يوجب إمكان الخلاء إذا لم يكن الحاوي علة محوية ، لأن إمكان خلو مكانيهما ليس هو إمكان الخلاء الممتنع ، فإن الخلاء لا يتعرض بارتفاع الحاوي والمحوي معا . بل إنما ينفرض فيما نحن فيه بفرض محيط لا حشوله ، لتفرض الأبعاد التي هي الخلاء . وأما العدم المحض فليس بخلاء كما سبق . وأما الثاني ، وهو أن يكون المحوي علة للحاوي فبطلانه ظاهر ، إذ لا يتصور أن يوجد الشيء ما هو أعظم منه وأكمل . وهذا القوي المبرهن به على امتناع كون الحاوي والمحوي أحدهما علة الآخر ، يمكن أن يبرهن به على أن النفس المتعلقة بأحدهما ، لا يمكن أن تكون علة ظاهرة للجسم الآخر . وظاهر أنها لا تكون علة للجسم الذي هي متعلقة به ، فإن من له رتبة الابداع لجسم ، لا تقهره علاقة ذلك الجسم ، حتى يصير بحيث تتوقف أفعاله كلها أو بعضها على توسطه . وإذا لم يمكن أن تكون النفس علة لبعض الأجسام ، فلا يمكن كونها علة لشيء من الأجسام ، إذ الأجسام من حيث هي أجسام ، لا اختلاف ( لوحة 347 ) بينها في الطبيعة ، وإن وجب الاختلاف فيها بأمور أخرى .