الصفحة 371 من 454

وتعلم أن جميع ما وراء ذلك خارج عنا: وجوديا كان أو عدميا لازما للنفس أو مفارقا . وعلى هذا ، فكل ( ما هو ) في المادة فهو محجوب عن ذاته ، لكون وجوده لغيره ، لا لنفسه . وكل ما لا يحصل بنفسه ، لا يمكن أن يحصل له شيء ، إذ الحاصل لا يكون بالحقيقة له ، بل يكون لما هو حاصل له ، ومتحصل به . ومن هذا يظهر أن الهيولي الجسمية ، والصورة الحالية فيها ، وجميع المركبات والأغراض ، ليس شيء منها بعاقل ولا حي على الاطلاق . والعقل لما كان مجردا قائما بذاته ، وجب أن يدرك ذاته ، وأن يكون إدراكه لذاته نفس ذاته ، لا زائدا عليها ، كما قرر في النفس ، بدليل أن صورته المطابقة له ، لو حصلت لما من شأنه أن يدرك لكان مدركا لها ، ولكان نفس حصولها له ، هو إدراكه لها . فإذا قامت بذاتها ، فمن الواجب أن يكون إدراكها لذاتها ، إذ قيامها بذاتها ، هو حصولها لذاتها ، ككل واحد من الأعراض لو قام بذاته . وكل ما يدرك ذاته فمن شأنه أن يدرك غيره ، فإن العلم بالملزوم يقتضي العلم بلازمه ، إذا كان ذلك اللزوم لذاته . وجميع الماهيات لها لوازم . ولو لم تكن إلا لوازمها العامة ، كالوجود والوحدة وغيرهما ، فتعقل الذات وتعقل الغير متعاكسان ، فإن كل ما يعقل غيره يعقل ذاته ، وكل ما يعقل ذاته يعقل غيره . وكل ما صح أن يكون معقولا للغير ، فإنه إذا قام بذاته كان عاقلا لذاته معقولا لذاته . وتلخيص بيان هذه الدعاوي ، بعد استعانته بما مر ، هو أن كل شيء يعقل شيئا ، فله أن يعقل أنه يعقل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت