الصفحة 372 من 454

وكل ما له ذلك ، فله أن يعقل ذاته ، فكل ما يعقل شيئا فله أن يعقل ذاته ، وكل معقول قائم بذاته ، فيمكن أن يعقل مع غيره ومعنى كونه معقولا مع غيره ، هو مقارنته للغير في القوة العاقلة لهما ، فهو مقارن للغير وللقوة العاقلة أيضا ، فلا يمتنع ( عليه ) إذ هو قائم بذاته أن يقارن المعنى المعقول . وإن امتنع عليه ذلك فلمانع غير ذاته ، فيمكن له من حيث ذاته أن يكون عاقلا ، وإذا أمكن عليه ذلك فهو مدرك لذاته وللوازمها دائما . فإن إدراك ذاته ليس أمرا غير ذاته ، حتى يصح عليه أن يكون تارة يتصف فيه فيدرك ذاته ، وتارة لا يتصف ( به ) فلا يدركها . والصورة المجردة في العقل ، وإن فارقت الصورة المعقولة فيه غيرها ، فليست مرتسمة بتلك الصور ، بل المرتسم بها هو القابل لهما جميعا ، وليس أحدهما أولى بأن يكون مرتسما بالآخر من الآخر به . فإنهما وإن اختلفا بالماهية فنسبتهما إلى محلهما غير مختلفة ، بل متساوية ، كنسبة الحركة والسواد إلى محلهما ، الذي هو الجسم ، لا كالحركة ، والبطء الذي هو هيئة فيها . فإن الصورتين المذكورتين قد توجد كل واحد منهما بحسب ماهيته وبحسب كونه معقولا بدون الآخر ، فلا يكون كونه هيئة فيه أولى من كون الآخر كذلك . فلو قبل كل منهما الآخر ، لقبل كل منهما نفسه ، وهو محال ، فلا يحصل شيء منهما للآخر ، فلا يعقله . فمقارنتها إذن في العاقل غير مقارنة الصورة والمتصور . واستعداد الصورة للمقارنة ، إن كان لازما لماهيتها النوعية ، فهو غير منفك عنها ، حالتي القيام بالذات والقيام بالقوة العاقلة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت