الصفحة 54 من 454

ضرورية فصدقها في ضرورتها ، أو كانت ممكنة فصدقها في إمكانها ، أو مطلقة ففي إطلاقها . والبرهان: منه برهان ' لم ' وهو الذي يعطي علة الوجود والتصديق معا ، كقولنا: هذه الخشبة مستها النار ، وكل كدر محترق ، فهذه الخشبة محترقة ، فالأوسط فيه مع كونه علة التصديق ، هو علة للحكم بالأكبر على الأصغر ، وإن لم يكن علة للأكبر في نفسه ، بل ربما معلولا لأحد الطرفين ، كحركة النار التي هي معلولة لها: وهي علة وصولها إلى الخشبة ، ومنه برهان ' إن ' وهو الذي يعطي علة التصديق فقط ، كقولنا: هذه الحمى تشتد غيا ، وكل حمى تشتد كذلك فهي محرقة . وربما كان الأوسط في هذا معلولا للحكم ، يسمى دليلًا ، مثل: هذه الخشبة محترقة ، وكل محترق فقد مسته النار . ومباحث البرهان كثيرة ، ولا حاجة في هذا الكتاب إلى أكثر من هذا . وأما الجدل فصناعة علمية ، يقتدر معها على إقامة الحجة من المقدمات المسلمة على أي مطلوب يراد ، وعلى محافظة أي وضع يتفق على وجه لا يتوجه إليها مناقصة بحسب الإمكان ، وناقض الوضع بإقامة الحجة يسمى سائلًا ، وغاية سعيه أن يلزم ، وحافظه يسمى مجيبًا ، وغاية سعيه ألا يلتزم . ومبادئ الجدل هي المسلمات العامة أو الخاصة ، والتي بحسب شخص ، فعند السائل هي ما يتسلمه من المجيب ، وعند المجيب هي المشهورات . فمنها الواجب قبولها ، لا من حيث واجب قبولها ، بل من حيث عموم الإعتراف بها . ومنها الآراء المحمودة ، وهي التي لو خلى الإنسان وعقله المجرد وحسه ووهمه ، لم يؤدب بقبول قضاياها والإعتراف بها ، ولم يلم الإستقراء بظنه القوي إلى حكم ، ولم يستدع إليها ما في طبيعة الإنسان من الرحمة والخجل والأنفة والحمية ، وغير ذلك ، لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسه ، مثل حكمنا أن أخذ مال الغير قبيح ، والكذب قبيح ، وكشف العورة قبيح . وهذه قد تكون صادقة ، وقد تكون كاذبة ، وقد تكون عامة ، يراها الجمهور ، كقولنا: العدل جميل ، وخاصة يراها أهل ملة أو صناعة دون غيرهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت