إلا أن أمل الأرمن في إنشاء دولة مستقلة لا يعدو كونه حلمة من أحلام اليقظة، إنهم منقسمون إلى أرثوذكس وبروتستانت وكاثوليك، والصراع بين هذه المذاهب لم يهدأ يوما، فكيف يمكنهم أن يؤسسوا دولة مستقلة؟ ثم إن مليون من الأرمن تابعون الروسية و مليونين لإيران ومليون ونصف المليون للدولة العثمانية، وأخيرا فإن التاريخ يشهد أن صفات الأرمن لا تخولهم تأسيس (1) دولة بمفردهم وإبقائها على وجه الأرض.
(1) أساس فتنة الأرمن: أن الأرمن كانت لهم في الأعصر القديمة دولة،
وكان لهم استقلال، وكانت مملكتهم واقعة في شرقي الأناضول - بين المماكة البيزنطية والمملكة الفارسية - ولما استولى الأتراك السلاجقة على تلك البلاد، رحل قسم منهم إلى غرب الأناضول، وأصبح الأرمن في الشرق والغرب لا يشكلون أكثرية عددية بالنسبة إلى السكان المسلمين.
فلما ظهر ضعف السلطنة العثمانية، صار الأرمن يرفعون رؤوسهم و ينتهزون الفرص ليطالبوا بتجديد ملكهم القديم، وزاد هذا الأمر شباب الأر من العائدون من الدراسة في أوربا، فقد كانوا يعو دون متشبعين بروح الانفصال عن الدولة ..
وعندما حاولت الدولة إغلاق بعض المدارس الأرمنية التي تدعو إلى الثورة، ثار الأر من وجاؤوا إلى العاصمة، وطلبوا من بطريركهم أن يراجع السلطان. فلما رأوا منه فتورة حاولوا قتله فهرب، وفي أثناء ذلك نجمت بوادر الثورة في جبل يقال له «جبل ساسون» من سنجق موش، في ولاية تبلس، وامتنع الأرمن هناك عن دفع الضرائب، فأرسلت الدولة جيشا لتأديبهم، وعندها قامت قيامة الصحافة الأوربية، وخاصة عندما وصلتها أخبار تأديب الأرمن. وانظر كتاب تعليقات الأمير شكيب أرسلان على تاريخ ابن خلدون)