فهرس الكتاب
السر هنا هو أن تاليران كانت لديه القدرة على كبح نفسه في المحادثة ليترك الآخرين يتحدثون عن أنفسهم ويكشفون بعفوية عن نواياهم وخططهم.
طوال حياة تاليران كان الناس يرونه متحدثا رائعا على الرغم من أنه لم يكن يبوح إلا بالقليل، ولم يكن يتكلم أبدا عن أفكاره الخاصة بل يترك الآخرين يكشفون له عن آرائهم، وكان ينظم للدبلوماسيين الأجانب حفلات اجتماعية يدرس فيها کلاتهم بعناية ويتملقهم ليعرف بعض الأسرار التي لا غنى عنها لعمله كوزير خارجية فرنسا. في مؤتمر فيينا (1814? 1815) كان يتجسس بطرق أخرى: كان يتظاهر بأنه بعفوية يفشي سرا (غير حقيقي) ثم يراقب استجابات مستمعيه، فقد يخبر حشدا من الدبلوماسيين مثلا أن مصدرا موثوقا أخبره أن قيصر روسيا بنوي القبض على قائده الأعلى للقوات المسلحة بتهمة الخيانة العظمى ويراقب استجابة الدبلوماسيين لهذه القصة المختلقة ويري من أكثرهم فرحة بضعف الجيش الروسي
فربما يكون في بلده تخطيط لعمل ضد روسيا، وكما قال البارون شتيتن السيد تاليران يطلق الرصاص في الهواء ليرى من الذي سوف يقفز من النافذة
في اللقاءات الاجتماعية والمقابلات البريئة عليك أن تنتبه وتركز، ففي هذه المناسبات تتراخى دفاعات الناس، وبكبحك لشخصيتك يمكنك أن تجعل الآخرين يبوحون بأشياء عن أنفسهم، وروعة هذه المناورة هي أنها تجعل الآخرين يرون في إصغائك لهم اهتماما ودودا بهم وبذلك لن تكتسب منهم المعلومات فحسب ولكن تتخذهم حلفاء أيضاء
لكن عليك أن تكون في غاية الحرص عند ممارستك لهذا التكتيك، فلو شعر الناس أنك تستدرجهم لتستل منهم أسرارهم فسوف يتجنبونك تماما، ولذلك أكد على أن يبدو حديثك معهم ثرثرة ودودة وليس بحثا عن المعلومات القيمة، فلا يجب أن تكون مكشوفا في تركيزك على المعلومات المهمة وإلا فإن أسئلتك ستكشف عنك وعن نواياك أكثر مما تمنحك من معلومات عن الآخرين.
إحدى حيل التجسس على الآخرين هي التي كتب عنها لاروشفوكو: الإخلاص