و بقيت الأمور غير مستقرة حتى قامت دولة المرابطين على يد الإمام عبد الله بن ياسين الجزولي، رحمه الله، فكانت دولة سبتة مالكية
لكن العقيدة الأشعرية بدأت تنتشر بين المالكية قبل ذلك، وبعض الناس يزعم أن أبا الحسن الأشعري نفسه كان مالكيا، وليس على ذلك دليل، لكن إمام الأشاعرة بعده القاضي أبا بكر بن الطيب الباقلاني، رحمه الله، كان مالكيا بدون شك، فأخذ عنه مذهبه الحافظ أبو ذر الهروي أصولا وفروعا، واستقر في الحرم المكي يحدث ويروي فأخذ عنه العلم إمام الأندلس أبو الوليد الباجي وعنه يروي «صحيح البخاري» فأدخل الأشعرية للمغرب وتحملها عنه جماعة، وكذلك كان في القيروان أبو عمران الفاسي وأبو الحسن القابسي وجماعة، رأوا في طريقة الأشعري طريقة حسنة في الدفاع عن عقائد السنة والجدال عنها بالطرق الكلامية.
و حيث إن المالكية ورثوا عن إمامهم مالك، رحمه الله، كلاما مجملا في الاعتقاد، فإنهم لم يروا في طريقة الأشعري ضلالا أو مخالفة لما كان عليه إمامهم.
لكن كره جماعة منهم الخوض في الكلام، وتمسكوا بنهي مالك والسلف عن ذلك. كما كان حال دولة المرابطين وعلمائها. ولذلك فقد كان متقدمو الأصحاب على محض السنة. وكذلك كبار المغاربة كابن أبي زيد القيرواني ومكي بن أبي طالب القيسي وأبي عمرو الطلمنكي مؤلف كتاب «الوصول إلى الأصول» ومحمد بن وضاح مؤلف «السنة» و «البدع والنهي عنها» وأبي الوليد ابن الفرضي وابن أبي زمنين مؤلف «أصول السنة» وأبي عمر بن عبد البر في جملة من كتبه، وهو الذي نقل في «جامع بيان العلم» عن ابن خويز منداد البصري أن كتب البدع عند مالك وأصحابه هي كتب المتكلمين معتزلة وأشعرية وغيرهم.
فهذا يدل على مذهبم كبار متقدمي أصحابنا، وهو أمر لا شك فيه لمن طالع كتب «السنة» المسندة التي تنقل مذاهب السلف في العقيدة. وكذلك «تقوية الإيمان في ذكر علماء القيروان» للدباغ و «طبقات علماء إفريقيا» لأبي العرب و «معالم الإيمان» للمالكي فإنها تذكر مناظرات بين كبار الأصحاب والمعتزلة ثم الشيعة. وفيها عقيدة أثرية سنية لكن في القرنين الخامس والسادس تأثر كبار أئمة المذهب بالعقيدة الأشعرية.