على أننا لا نقول بجواز التقليد المحض لمن كان له أهلية للنظر، فإن التقليد عندنا ضرورة وحاجة عند الجهل والقصور، بخلاف حال المؤهل المتمكن فلا ينبغي له الركون للأرض والتكاسل عن النظر.
و اعلم، بارك الله فيك، أن أهل المذاهب فئات ففيهم من اجتهد ونظر فانتمى للمذهب لكونه وافق أصوله ورأى صحتها، وذلك كحال كبار أصحاب الأئمة، رحمهم الله، فإنهم لم يقلدوا إمامهم تقليدا محضا، فلذلك تراهم خالفوا أئمتهم في مسائل كثيرة.
و آخرون يرجحون الأقاويل داخل المذهب ولا يخرجون عنه، ويخرجون على أصوله ما لم يجدوا نصا، وأقل أهل المذاهب درجة من يقلد مشهور المذهب ولا يخرج عنه، لكن قد يختار أقوالا من داخل المذهب لمصلحة من المصالح.
ثم اعلم أن المذاهب لتوارد كبار العلماء عليها أصبحت مدارس كبرى فيها أجوبة لسائر مشاكل المسلمين اليومية، فكانت بذلك قوانين سهلة لحياة المسلمين بما لا يوجد في أي قانون وضعي وضيع!
و من المعلوم أن جمهور المسلمين ليسوا من العلماء المتخصصين الذين يمكنهم استنباط الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة كما أن العلماء أنفسهم ليسوا دائما متفرغين للنظر في كل مسألة يحتاجها المسلمون مع بذل كافة جهدهم لتحرير وجهة نظرهم فيها.
و تأمل مثالا على ذلك غالب السلفيين المعاصرين فإنهم رجعوا لكتب مشايخ النجديين وهم حنابلة كما لا يخفى.
و على هذا فإننا نقول: إن المذاهب كيفما كانت هي مجرد وسيلة لإتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأن جميع الأئمة قصدهم اتباع الحق، وحالهم كما قال البوصيري، رحمه الله:
و كلهم من رسول الله ملتمس رشفا من البحر أو غرقا من الديم
و لذلك إذا تدرج طالب العلم في المعرفة ثم ظهر له ضعف دليل مذهبه فإنه ملزم بإتباع الدليل والعمل به لا التعصب لقول إمامه أو مشهور مذهبه فإن هذا ضلال وانحراف.