و لذلك كان على الطالب أخذ مبادئ العلوم وإتقانها على الشيوخ كذلك. وحاله كحال الطائر؛ لا يزال تدربه أمه على الطيران حتى يطير في الهواء. وكما قال الذهبي رحمه الله: «و كيف يطير ولم يريش بعد؟!» .
قال أبو محمد: يوشك هذا أن يسقط فيأكله سبع أو يلهو به الأطفال وينتفوا ريشه!!
و هأنت ترى اليوم كيف انحط مستوى العلم عند الناس وقل أدبهم وضعفت مداركهم وساء فهمهم لما اكتفوا بالصحف عن الجثو بين يدي العلماء.
و أيضا، فالعالم يختصر لك الطريق بأن يدلك على أقربها. فكم أعمار ضاعت فيما لا يجدي والطالب يتخبط بين المناهج والأفكار ولا يرسو على شيء، وكلما قرأ كتابا قذف به لآخر وهو يترنح لا يلوي على شيء، ولو هدى لعالم فاضل لأخذ بيده. كما قال بعض السلف: من سعادة الحدث والأعجمي أن يهدى لصاحب سنة، ومن شقائه أن يهدى لصاحب بدعة.
و أيضا فقد يبقى السنوات الطوال في تيه لا يخرج منه لعدم معرفته بالكتب والمناهج، فلا يترقى في العلم، بل يراوح مكانه وتلاميذ الشيوخ قد قاربت ناقلتهم مقصدها وأشرفت على الوصول، وعند الصباح يحمد القوم السرى، وصاحب الأسفار حاله كحال بني إسرائيل في شبه سيناء (أربعين سنة يتيهون في الارض) (المائدة:26) !!
و لو أتى الأمر من بابه لوصل في أقرب الآجال.
و تأمل الفرق الشاسع بين العلماء الكبار الذين تخرجوا من الجامعات التي غالبها أخذ عن أسفار.
و قد بلغنا أن أحد الطلبة سأل الإمام المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، صاحب «أضواء البيان» عن شهادة الزور؟
فأجابه: هي هذه التي تأخذونها بعد تخرجكم!!
و سبب ذلك أن الطالب يقال له (دكتور) أي (عالم منظر) وهو ليس كذلك عند التحقيق، اللهم إلا من جد واجتهد وأخذ العلم على أصحابه.