جوازه لكامل القريحة
فحاصل ما انتهى إليه المتأخرون جوازه لمن تضلع من علوم الكتاب والسنة واستخدمه لنصرتهما كما قرروا ذلك في علم الكلام أيضا.
و لما صنف أبو محمد بن قدامة المقدسي، رحمه الله، كتابه «روضة الناظر» في أصول الفقه الحنبلي، وأصله ملخص من «المستصفى» للغزالي، رحمه الله، نسخ المقدمة المنطقية كذلك دون أن يعلق عليها، فاشتد نكير الحنابلة عليه، وعدوه مخالفا لأحمد والسلف، ولذلك نجد أنه قد حذف تلك المقدمة من بعض النسخ.
أما شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، فإنه قد أبدى وأعاد في نقض المنطق، بعد أن درسه وفهمه، فرد على قواعده وأصوله وبين فسادها وعدم اطرادها، وألف مجلدا كبيرا سماه «الرد على المنطقيين» وكتابا آخر سماه «نصيحة أهل الإيمان في نقض منطق اليونان» اختصره الحافظ السيوطي وتابعه على ما فيه، وألف هو أيضا كتابا نفيسا سماه: «صون المنطق والكلام عن علمي المنطق والكلام» .
و لخص شيخ الإسلام، رحمه الله، موقفه كله من هذا الفن بقوله: «إنه علم لا يحتاجه الذكي ولا يستفيد منه البليد» .
و الحق أن علم المنطق منه ما هو متعلق بالرياضيات، وقد درسناه كذلك في المدارس الثانوية فهذا صحيح لا شك فيه، والعقول كلها توافق عليه. و منه المسائل التي أدخلها الفلاسفة في أمور الدين والعقيدة وما يتعلق بعلم الكلام. فهذه هي التي حصل منها الضلال، ولم يسلم شيخ الإسلام مقدماتها فضلا عن نتائجها.
و قد ذكر العلماء أن أبا محمد بن حزم، رحمه الله، إنما أتي في مسائل التوحيد والاعتقاد من تأثره بعلم المنطق وثقته بقواعده.
و ابن تيمية رحمه الله، لما نجى بفضل الله من ذلك جاءت قواعده سليمة موافقة لما كان عليه السلف الصالح، حتى إنه بنى لأهل السنة صرحا شامخا، أصله ثابت وفرعه في السماء، وهدم أسس الضلال والباطل، فكان من كبار أئمة الإسلام وعظمائه.