الصفحة 112 من 168

أما اليوم فجل المعاهد الدينية الرسمية في بلاد المسلمين تدرس المذهب الأشعري كالأزهر والزيتونة والقرويين ومعاهد الشام واليمن وشنقيط وغيرها، وكثير من مسلمي الغرب في أمريكا وأوروبا وأستراليا.

لكن منذ سقوط الدولة العثمانية سنة 1342 هـ، وهي التي كانت تمثل الخلافة الإسلامية وتحمي مذاهبهم الأشعري والماتريدي في الاعتقاد، ضعف لذلك هذا المذهب ضعفًا بينًا، خاصة بعد ذهاب حماته من الدولة والعلماء المشاهير، حتى إنه ما عاد له ظهور في بلدان كانت معاقله عبر التاريخ.

و مقصودي بالظهور هو وجود علماء دعاة للمذهب وشباب نشيطين جادين في الإيمان به واعتقاده والذب عنه والتصنيف في هذا كله.

و لعل أقوى معاقل الأشعرية اليوم بلاد الشام واليمن، فإن أهل دمشق وما والاها شديد في التعصب لهذا المذهب، ولهم أنصار في الأردن وفلسطين ولبنان وغيرها، وهم شافعية في الفروع.

و كذلك أهل حضر موت، خاصة آل باعلوي الأشراف الحسينيين، وهم شافعية أيضًا، ولهم امتداد قوي في بلاد إندونيسيا وماليزيا، ولهم أيضًا أنصار في الحجاز بالحرمين، وسيطرة قوية على الإرشاد الديني في إمارة دبي من إمارات الخليج العربي.

و في العراق علماء كبار على هذا المذهب ولهم كلمة وصولة، وفي مصر معقلهم الأزهر، لكنهم ليسوا في التعصب له كمن ذكرنا، وفي شنقيط لهم (محاضر) قوية يدرس بها الكثير من مسلمي إفريقيا وأوروبا وأمريكا، وهم مالكية.

قال أبو محمد:

فإن قيل كيف كان الأشاعرة في الفروع على مذهب الإمامين الجليلين مالك والشافعي وكلاهما من كبار أئمة السنة والأثر؟

و الجواب، والله أعلم، أن مالكًا والشافعي كانا ينهيان عن الخوض في مسائل الاعتقاد، و لا يريان الكلام فيما لا عمل تحته، بل كان مالك يشتد نكيره على من يروي للعامة أحاديث الصفات مخافة وقوعهم في التشبيه، وكذلك كان الشافعي، رحمه الله تعالى، ولم يبتل هذان الإمامان بالمبتدعة ليردوا عليهم ويوسعوا العبارة كما حدث للإمام أحمد، فلذلك لم تحفظ عنهم نصوص كثيرة في الاعتقاد، وما أثر عنهم كان مجملًا. عامته دعوة للتسليم والتفويض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت