فلما ظهر الأشاعرة وكثر المبتدعة استحسنوا طريقتهم ولم يظهر لهم بادئ الرأي مخالفتها لما عليه الإمامان الجليلان، والورع منهم يزعم أن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم!!
و مذهب السلف عندهم هو تفويض معاني الأسماء والصفات وعليه يحملون كلام الأئمة، ومذهب الخلف هو التأويل وهو أعلم -عندهم- لأن فيه أخذًا بالمجاز ومعاني اللغة عند العرب مع قوة الرد، بزعمهم، على الفرق المبتدعة.
أما الحنابلة فقد ابتلي إمامهم، وإمامنا أيضًا إمام أهل السنة والحديث أبو عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل نضر الله وجهه في جنات النعيم، بالمحنة الشهيرة، فسجن وعذب ونصره الله تعالى ورفع مكانه، فأكثر الكلام في مسائل العقيدة بقواعد أهل السنة المحضة البيضاء غير المشوبة بالبدع، حتى جمع أبو بكر الخلال، رحمه الله تعالى، من كلامه في ذلك ثلاث مجلدات كبيرة باسم «السنة» وكذلك نقل عنه أصحابه الكثير، فمشى أصحابه على نهجه الواضح إلا من اشتط إلى غلو في الإثبات، أو انحرف فتأثر ببعض المنحرفين.
فهذا هو سبب انحراف المالكية والشافعية عن محض السنة فكان حالهم كحال من قال:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا.