فَصْلٌٌ
الأشاعرة والتصوف
ليس بالضرورة كل أشعري صوفيا، خاصة المتقدمين منهم، لكن قد تلازم التدين بالتصوف عند المتأخرين حتى عاد من الضروري على كل عالم أن يكون أشعريا أو ماتريديا ثم يختار مذهبًا من المذاهب الأربعة المعتمدة عند أهل السنة ويتربى على يد شيخ صوفي فيتخذ طريقة من الطرق المعروفة يكون على مشربها.
فهذا الذي استقر عند «أهل السنة والجماعة» منذ حوالي سبعين قرون، خاصة مع ركود الهمم وفشو التقليد وانقراض الاجتهاد والإبداع ومحاربة أهله.
لكن الأمر لم يكن كذلك منذ القرون الأولى، ولم يكن هناك تلازم بين الأشعرية والصوفية. وإذا كنا قد حددنا أن غالب الأشاعرة إما شافعية أو مالكية، وإذا علمنا أن زعماء الأشاعرة وأئمتهم الكبار عبر التاريخ هم الشافعية حتى إن الراجح في مذهب أبي الحسن الأشعري، رحمه الله تعالى، أنه شافعي، وإنما المالكية تبع لهم، فلننظر في كل مذهب على حدة.
فنقول: إن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى والعديد من أصحابه الكبار حفظت عنهم كلمات تنكر التصوف وتستنكر على الصوفية، ومن ذلك ما رواه ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول: «لو أن رجلا تصوف أوَّل النهار لا يأتي الظهر حتى يصبح أحمق!» .
و قال أيضًا: «تركت بغداد وقد أحدث الزنادقة بها شيئًا يسمونه التغيير، يلهون به عن القرآن» ، يريد بالتغيير السَّماع الذي اشتهر به الصوفية، إلى كلمات أخرى اشتهرت عنه وعن بعض كبار أصحاب الحديث من أصحابه نقل العديد منها أبو الفرج بن الجوزي في «تلبيس إبليس» ، إلاَّ أن الشافعي بالمقابل لم يتشدد في ما استحدث في الدين وله أصل شرعي وأسند عنه البيهقي رحمه الله تعالى قوله: إن البدعة بدعتان، فما استحدث عن أصل شرعي فهو مقبول وما استحدث عن غير أصل فهو مردود.
ثم ظهر كثير من أئمة الشافعية لا يرون بأسًا بطريقة الصوفية إذا لم تخالف السنة، بل إن غالب الشافعية منذ القرن الثاني ثم الثالث أصبحوا من الصوفية، بل أئمتهم كانوا شافعيي