المذهب، فالجنيد كان على مذهب أبي ثور تلميذ الشافعي ثم جاء من بعده من صوفية العراق والشام وخراسان فكان للشافعية ظهور واضح بينهم. حتى إن أبا نصر الطوسي في كتابه «اللمع» الذي ذكر فيه آداب الصوفية وعقائدهم، ذكر عقيدة أشعرية وزعم أن غالب الصوفية عليها.
و لما ظهر المصنفون الآخرون في التصوف كان الشافعية الصوفية أئمة الطريقة كأبي عبد الرحمن السلمي صاحب «طبقات الصوفية» و «محن الصوفية» وأبي القاسم القشيري صاحب «الرسالة» الشهيرة، فقد كان هو وأولاده أئمة في التصوف، وكانوا من كبار الأشاعرة، حتى إن أبا نصر ابن القشيري كان صاحب الفتنة الكبيرة بين الأشعرية والحنبلية، ويذكر ابن تيمية أن الطائفتين كانتا شيئًا واحدًا حتى فرق بينهما أبو نصر هذا.
و زوجة القشيري أم أولاده هؤلاء هي فاطمة بنت أبي الدقاق، وكانت عالمة فاضلة، شافعية أشعرية صوفية وأبوها من كبار مشايخ الصوفية.
و أبو حامد الغزالي، رحمه الله تعالى، كان أحد كبار أئمة الأشاعرة والشافعية والصوفية، فاجتمع فيه الثلاثة، وهو صاحب «إحياء علوم الدين» الذي غدا عمدة كل من جاء بعده من الصوفية، فقعد لهم القواعد وبسط العلم وقربه للناس وكذلك فعل السَّمروردي صاحب «عوارف المعارف» وهو من ذرية أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، شافعي أشعري من أئمة الصوفية المصنفين.
و لو جئنا نستقصي الأشاعرة الصوفية لما وسعتنا المجلدات، فإن عامة من بعد القرن الرابع من الأشاعرة الشافعية كانوا صوفية، فلو بحثنا عن الشافعية الأشاعرة الذين لم يكونوا صوفية لكان أيسر لنا!
و لعل كلمة الإمام الشافعي، رحمه الله، في تقسيم البدعة ثم أخذ المتأخرين لها على إطلاقها مما سهل عليهم القول بجملة من البدع وجعلها من الدين والتسليم بها. ولا أقول إنا الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى، يقول بالبدع، حاشاه رضوان الله عليه، وهو عندي بالمكان الكبير والمنزلة العظيمة. لكن تلك الكلمة أخذها المتأخرون وقالوا إنا البدعة منها الحسن والسيئ، ثم توسع من جاء بعدهم حتى كثرت البدع في دين الله تعالى والتصق الأمر بالصوفية لأنهم توسعوا في العبادات واحتجوا بالأذواق والمواجيد وأحاديث ضعيفة وموضوعة واجتهادات لأئمة مرجوحة.