الصفحة 116 من 168

و قد تكلمت في خاطرة سابقة عن الانحراف الذي وقع للصوفية عبر الزمان وفرقت بين أصل التصوف وأنه علم قصد به واضعوه تمهيد طرق تزكية النفوس وتطهير القلوب، لكن المتأخرين غلو وأدخلوا فيه ما ليس منه، حتى أضحى الإسلام الصَّافي في واد والتصوف المتأخر في واد آخر، بعقائده وشعائره وعباداته!!

أما المالكية فقد كان لمتقدميهم مواقف متشددة من التصوف، بل إن مالكًا نفسه لما ذكر له جماعة يلبسون فواخر الثياب ويأكلون ثم يرقصون، قال: أمجانين هم؟ قيل: لا، فقال: أصبيان هم؟ فقيل: لا، فضحك، وخرج، فقال أصحابه للسائل: ما رأينا أشأم منك. في قصة تشبه هذا، رواها أبو بكر الخلال في «الحث على التجارة» وذكرها القاضي عياض في «ترتيب المدارك» وغيرهم.

و لما أظهر ذو النون المصري بمقالاته الصوفية قام عليه إمام مصر عبد الله بن عبد الحكم، وهو من كبار أصحاب مالك بمصر.

و كذلك كان كبار المالكية عبر التاريخ، وذلك لأن لمالك، رحمه الله تعالى، أصلًا واضحًا في هذه المسألة، إذ هو من أشد الناس في إنكار المحدثات، حتى وصل به الأمر إلى إنكار بعض السنن التي لم يبلغه فيها حديث، وإلى النهي عن ملازمة سنن أخرى مخافة أن يظنها بعض الجهال فرائض.

و كثير من الأمور التي يتوسع فيها غيره من الأئمة يتشدد فيها.

كما أن من أصوله الشهيرة ترك تعظيم المشاهد بملازمتها والتبرك بها، وأصله في ذلك أصل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، الذي قطع شجرة الرضوان وأخفى قبر دانيال - عليه السلام -. وهو مبني على قاعدته في سد الذرائع.

و لذلك كان المتكلمون من أصحابنا في هذه المسائل التي وقع فيها المتأخرون، جل مادتهم عن مالك وأصحابه.

و لما ظهر الغزالي ب «إحياء علوم الدين» قام عليه المالكية قومة شديدة، وعامتهم أشاعرة كابن رشد الجد وو أبي بكر الطرطوش، حتى إن بعضهم سماه كتاب «إماتة علوم الدين» !! وقالوا فيه كلامًا شديدًا، كما نقل العديد من ذلك الذهبي في «السير» .

و هؤلاء الأئمة هم الذين حملوا أمير المغرب علي بن يوسف بن تاشفين، رحمه الله تعالى، على إعدام الكتاب وإحراقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت