الصفحة 117 من 168

و من نظر في «البدع والنهي عنها» لابن وضاح و «الحوادث والبدع» للطرطوش، تبين هذا الذي أذكره عن المالكية المتقدمين، وعلم أنه السبب الذي أخر انتشار التصوف في بلاد المغرب المالكية، خلافًا لانتشاره القديم في المشرق.

و من هذا الصنف أيضًا أبو إسحق الشاطبي صاحب «الاعتصام» وغيره.

على أن المتقدمين من المالكية قد كان فيهم بعض أئمة التصوف فذو النون المصري كان مالكي المذهب وأبو بكر الشبلي كان مالكيًا أيضًا، ثم إن التصوف انتشر بعد ذلك خاصة بعد القرن الرابع، انتشر بقوة بين المالكية، وأضحى هو الغالب، فعبد السلام بن مشيش الإدريسي، وتلميذه أبو الحسن الشاذلي ثم تلاميذهما من الشاذلية وفروعها الكثيرة مالكية معروفون.

و منهم أبو العباس المرسي وصاحبه الشهير ابن عطاء الله السكندري صاحب «الحكم العطائية» المشهورة.

بل إن العديد من غلاة الصوفية المنحرفين أصحاب وحدة الوجود وما إلى ذلك من التصوف الفلسفي، كانوا مالكية كابن سبعين وابن قسي وابن الفارض والششتري، وغيرهم.

و مه أنه كان يظهر في المالكية الصوفية مجددون يرجعون إلى أصول مالك القديمة كما فعل الشاطبي في «اعتصامه» وابن الحاج في «المدخل» وزروق في «قواعد التصوف» وغيره من كتبه، لكن طال الأمد ونسي المالكية أصول إمامهم فأدخلوا البدع في دينهم وعظموا هم أيضًا المشاهد فبنوا على القبور واحتجوا على ذلك بما ليس بحجة وتبركوا بها وشدوا لها الرحال، بل وجوزوا الاستغاثة بأصحابها والتوسل بهم في الشدائد والمهمات، وغلوا كما غلا غيرهم وتناسوا أصول إمامهم، ومما أغلوا فيه «إحياء علوم الدين» ، حتى أضحى من أجل كتبهم، بل بلغ الأمر بهم أن زعموا أن الغزالي تحول آخر عمره إلى المذهب المالكي!!

و لست أنكر الاستفاذة من «الإحياء» ولا أنكر فضله بل لا أقر من أعدمه وأحرقه، وأعلم أنه فيه مواد كثيرة نافعة وفيه أمور أخرى، وقد تكلم فيه بإنصاف واعتدال ابن تيمية في بعض «فتاواه» والذهبي في «السير» في ترجمة الغزالي، رحم الله الجميع.

و لنا عودة، بحول الله تعالى، لذكر الطرق الصوفية الأشعرية العقيدة عند ذكرنا للجماعات الأشعرية المعاصرة، وبالله نتأيد، وإياه نسأل التوفيق والسداد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت