فجاهدهم جهادًا عظيمًا، وخلفه في الجهاد تلميذهم وفريدهم الشهير عمر المختار، رحمهم الله تعالى، حتى وقع في يد العدو، دمره الله تعالى، وأعدموه شهيدًا إن شاء الله تعالى.
و ممن اشتهر أنه مجدد وشغل الناس بأفكاره وزعم تجديد الأزهر، العالم الأزهري الشهير، مفتي مصر محمد عبده، الذي تتلمذ على جمال الدين الأفغاني الذي ذكرته في فصل الشيعة الإمامية. وقد بالغ عبده في الاستنكار على مذاهب العلماء الأزهريين وتعصبهم للمذاهب وترك الاجتهاد والنظر، وسميت دعوته بالدعوة السلفية، وهاجم الصوفية وبدعهم، فظن كثير من دعاة السنة أنه منهم وأنه مجدد الإسلام في زمانه وحكيم الأمة وما إلى ذلك.
و قد رأيت عامَّة دعاة السنة في القرن الرابع عشر يبالغون في مدحه والثناء عليه، في المغرب والجزائر والشام والجزيرة العربية وغير ذلك.
و يقال إن عبده أول أمره كان مستقيمًا فلما سافر لأوروبا عاد منحرفًا، يبالغ في مدح القوم وتحسين عوائدهم، واشتهر عنه جواز لبس (البرنيطة) وهي قبعة الأوروبيين، وجواز شئ من الربا، ومنع تعدد الزوجات، وتثبيط الناس عن الجهاد ومقاومة العدو المحتل، بل كان صديقًا للمقيم العام الإنجليزي في مصر (اللورد كرومر) ، ويحضر مجلس الأميرة نازلي ويشجع قاسم أمين على دعوته للتبرج وتحلل المرأة من الدين.
و جل زنادقة مصر ودعاة التحلل والتغريب من تلاميذ هذا الرجل، كسعد زغلول، وقاسم أمين وغيرهما. وذكر يوسف النبهاني أنه جالس يومًا كاملًا فلم يصل أي صلاة. وقد فضحه محمد محمد حسين، الكاتب المصري الغيور على دينه في العديد من كتبه. وبين أن دعوته للاجتهاد مقصودها نقض عرى الشرع وإدخال من هب ودب في سياق المجتهدين، وأما حربه للصوفية، لأن الكثير منهم كانوا قائمين بالجهاد، ولأن العديد من بدهم وخرافاتهم لا توافق العقلانية الغربية.
قلت: الرجل أشعري كما هو واضح من كتابه «التوحيد» أما صاحبه وتلميذه محمد رشيد رضا فهو أمثل منه بكثير ولعلني بحول الله أذكره في السلفيين.
و قد تخرج على يد محمد عبده العديد من مشايخ الأزهر العقلانيين من أمثال المراغي وغيره، وأثر هذا حتى في بعض فضلاء العلماء من أهل مصر كمحمد أبي زهرة والعديد من مشايخ الإخوان المسلمين المصريين كالغزالي والقرضاوي وغيرهم، بل قد أصبح هذا سمة العلماء الأزهريين عامة.