و المقصود أن علم الكلام كان فعلًا بلاء على المسلمين، والعجب من أئمة كبار تركوا نصوص أئمتنا من السَّلف كلها يذمون فيها هذا العلم فجعلوا يحملون ذلك على الاعتزال وغيره دون مذهب الأشاعرة،دراسة علم الكلام، ويزعمون أنه مفيد في الرد على أهل البدع والضلال.
ثم العجب فهم كيف خالفوا نصوص السَّلف الصريحة وهم يحسبون أنهم أهل السنة والجماعة وغيرهم منحرف ضال. فقد خالفوا صريح نصوصهم في التسليم وترك التأويل وصريح كلامهم في إثبات الاستواء والعلو، وصريح أقوالهم في تكفير من قال بخلق القرآن، وهم يقولون إن ما بين الدفتين مخلوق، وضربوا عرض الحائط ما ذهب إليه أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، ومعه آلاف من المحدثين من تضليل من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وهم يقولون ذلك على المعنى الذي اشتد نكير أحمد ومن معه عليه.
و خالفوا إجماعهم على أن الإيمان قول وعمل، لا يتم أحدها إلاَّ بالآخر، بل إنهم كفروا من قال إن الإيمان إنما هو مجرد المعرفة، وبهذا قالت الأشعرية. وقالوا بالكسب، ولا يعرف لأحد قبلهم.
فالحمد لله على الهداية، فعض على مذهب السَّلف وشد عليه بالنواجذ وإيَّاك وعلم الكلام وترهاته، ولا تغتر بالأسماء الشهيرة التي قالت به. فإن الرجال يعرفون بالحق لا الحق يعرف بالرجال.
فَائِدَةٌ: كيف انتشر المذهب الأشعري بالمغرب؟
قال الحافظ الذهبي في"السير" (17/ 557) عن أبي ذر الهروي:
«أخذ الكلام ورأي أبي الحسن [الأشعري] عن القاضي أبي بكر بن الطيب [الباقلاني] ، وبث ذلك بمكة، وحمله عنه المغاربة إلى المغرب والأندلس. وقبل ذلك كان علماء المغرب لا يدخلون في الكلام، بل يتقنون الفقه أو الحديث أو العربية، ولا يخوضون في المعقولات، وعلى ذلك كان الأصيلي وأبو الوليد بن القرضي وأبو عمر الطلمنكي ومكي القيسي وأبو عمر بن عبد البر والعلماء» .