الصفحة 30 من 168

نفوس المنفقين من الأغنياء وأرباب الوقوف والترب المزخرفة، وهو داء خفي يسري في نفوس الجند والأمراء والمجاهدين.

ثم قال: فمن طلب العلم للعمل كره العلم، وبكى على نفسه، ومن طلب العلم للمدارس والإفتاء والفخر والرياء، تحامق واختال وازدرى بالناس وأهلكه العجب، ومقتته الأنفس، (قد أفلح من زكاها وخاب من دساها) أي: دساها بالفجور والمعصية. اهـ

قال أبو محمد: والذي اختاره هو التمكن من مذهب من المذاهب المتبوعة المعروفة، مع النظر في الخلاف، وإتباع الدليل إذا لاح وظهرت حجته، والذي أختاره لنفسي مذهب إمام دار الهجرة النبوية، - صلى الله عليه وسلم -، مالك بن أنس، رحمه الله تعالى، لعدة أسباب؛ منها أنه مذهب مخدوم منقح مهذب، قد حكم مدة من الزمن حتى تمهد، ومنها أنه مذهب أهل المدينة المنورة، جيران رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكل ما انتمى لذلك لذيذ، حبيب لقلبي، ومنها أنه مذهب أهلي وعشيرتي، وموافقتهم فيما لا يخالف الحق حسن جميل، ومنها أنه مذهب أهل بلدي، و موافقتهم في عاداتهم وأمورهم التي لا تخالف الصواب مطلوب، ومنها أن كتبه متوافرة كثيرة؛ مصنفات ومتونًا وشروحًا وكتب أصول وقواعد فقهية، وتراجم رجال. مع ما عرف به أهل هذا المذهب من تمسك بالسُّنة، وذود عن حياض الإسلام، وتضحية في الذب عن الدين، ونفرة من كل بدعة وانحراف، مع الورع التام والخشية والإنابة.

و بالجملة، ففضائل هذا المذهب كثيرة، ومسوغات إتباعه عديدة.

و لا يعني هذا أني أستنقص المذاهب الأخرى، بل ما منها من مذهب إلاَّ وله فضائل ومحامد، لست أستنقص واحدًا منها.

و لمذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، جلالة كبيرة في نفسي، ولإمامه هيبة كبيرة في قلبي. وقد كنت وأنا صغير مراهق أزعم أني مالكي ما قام دليل، فكان متن"رسالة أبي زيد القيرواني"لا يفارقني، وكتبت عليه حاشية صغيرة استخرجتها من مطالعة"سبل السلام"في أمور ظهر لي أنها مخالفة للدليل. وملت بعد ذلك قليلًا لمذهب الإمام أحمد، فقد درسته في المدرسة.

ثم إني في عنفوان شبابي زعمت أني اتبع الدليل ولا أتبع مذهبًا، وكذلك كنت أول قدومي المغرب، فانشغلت ب"سبل السلام"و"نيل الأوطار"و"المحلى"و"فتاوى ابن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت