الصفحة 17 من 84

والمقصود أن نصوص الكتاب والسنة قد نطقت - بل قد تواترت - بإثبات علو الله على خلقه وأنه فوق السماوات، مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله لا يعلم كيفيته إلا هو، فإذا قال السائل: كيف استوى على عرشه، قيل له كما قال ربيعة ومالك وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة، وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا؟ قيل له: كيف هو، فإذا قال: أنا لا أعلم كيفيته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له فكيف تطالبني بكيفية استواءه على عرشه وتكليمه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته، وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال، فلا يماثلها شيء، فاستواءه ونزوله وكلامه ثابت في نفس الأمر، ولا يشابهه فيها استواء المخلوقين وكلامهم ونزولهم فإن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات فالذوات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل صفات سائر الذوات، فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، فإذا كانت الذات لا تشبه ذوات المخلوقين فصفات الخالق لا تشبه صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في محاذير منها:

كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.

منها أن ينفي تلك الصفات عن الله بلا علم فيكون معطلاّ لما يستحقه الرب من صفات الكمال ونعوت الجلال فيكون قد عطل ما أثبت الله ورسوله من الصفات الإلهية اللائقية بجلال الله وعظمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت