الصفحة 39 من 84

قال عبدالله بن نافع قال مالك بن أنس: الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء، رواه عبدالله بن الإمام أحمد . وروى أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبدالله {الرحمن على العرش استوى} كيف استوى ؟ فأطرق مالك برأسه ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا ! فأمر به أن يخرج . وتقدم عن شيخه ربيعة مثل هذا الكلام فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف .. فإنما نَفَوا الكيفية ولم يُنفوا حقيقة الصِّفة، ولو كان القوم آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله عز وجل لما قالوا الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها بلا كيف فإن الاستواء حيئذ لا يكون مَعْلومًا بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم، وأيضًا فإنه لا يحتاج إلى نفي الكيفية إذا لم يفهم من اللفظ معنا وإنما يحتاج إلى نفي الكيفية إذا ثبتت الصفات، وأيضًا فإنَّ من ينفي الصفات لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف، وأيضًا قولهم أمروها كما جاءت يقتضي إبقاء دَلاَلتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني، فلو كانت دلالتها مَنفية لكان الواجب أن يقال: أمِرُّوا ألفاظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا يكون قد أمرّت كما جاءت، ولا يقال حينئذ بلا كيف، إذ نفي الكيف عمَا ليس بثابت لغو من القول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت