عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها شيء من عظمة الرب: أجسامكم وأجوافكم والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها شيء من عظمته، وقد أخبرنا الله عز وجل أنه في السماء فقال { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض } الآيتين، وقال: { إليه يصعد الكلم الطيب } وقال تعالى: { إني متوفيك ورافعك إلي } وقال: { بل رفعه الله إليه } . وقال أيضًا في الكتاب المذكور: ومما أنكره الجهمية الضلال أن الله على العرش، وقد قال تعالى: {الرحمن على العرش استوى} وقال: {ثم استوى على العرش} ثم سَاق أدلّة القرآن ثم قال: ومعنى قوله {وهو الله في السماوات وفي الأرض} يقول: هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، لا يخلوا من علمه مكان ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، وذلك لقوله تعالى: { ولتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا } ، قال الإمام أحمد: ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجُلًا في يده قدح من قوارير وفيه شيء كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح فالله سبحانه - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع ما خَلَقَ علمًا من غير أن يكون في شيء مما خلق . وقال: مما تأولت الجهمية من قول الله { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } ، فقالوا: إن الله معنا وفينا، فقلنا لهم: قطعتم الخبر من أوله إن الله افتتح الخبر بعلمه، قال أحمد: وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، فقل له: أليس الله كان ولا شيء فيقول: نعم، فقل له: فحين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا عن نفسه؟ فإنه يصير إلى أحد ثلاثة أقاويل: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر حين زعم إن الإنس والجن والشياطين وإبليس في نفسه، وإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه، ثم دخل فيهم كفر أيضًا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش وقذر، وإن قال: خلقهم خارجًا