الصفحة 102 من 112

واضحة بين الحركة الاصلاحية التي دعا اليها الافغاني في السبعينات من القرن التاسع عشر وبين الوهابية، فحركة جمال الدين الافغاني كانت تهدف الى احياء الخلافة الاسلامية بطريقة تختلف عما كانت عليه في أواخر العهد العثماني في حين كانت الدعوة الوهابية حركة دينية وقومية في نفس الوقت، فالافغانية كانت محاولة لاصلاح الوضع الراهن للخلافة الاسلامية عن طريق ادخال تحسينات في النظام السياسي والدستوري للدولة، بينما كانت الوهابية ثورة ضد هذه الخلافة.

أما تلميذ الافغاني الشيخ محمد عبده فهو أيضا شخصية مستقلة عن الدعوة الوهابية وان كان بينه وبين الوهابية صلة، فالامام محمد عبده يسلك طريقا سلفيا في دعوته ولكن سلفيته تختلف تماما عن السلفية الوهابية، فهو يدرس التوحيد على طريقة المتكلمين من المعتزلة والاشاعرة كما هو واضح في"رسالة التوحيد"فهذه السلفية يمكن ان نسميها"سلفية عقلانية"، اما السنوسية في ليبيا والمهدية في السودان فلكل منهما ميول صوفية والوهابييون أنفسهم لا يعتبرون السنوسية والمهدية وأمثالهما حركات سنية [1] ، لأن هذه الحركات لا تسلك طريقة الوهابية في تفسيرها لقضايا كثيرة كصفات الله والعبادة وغيرهما فمذهبهم في هذه المسائل مذهب الاشاعرة.

إذن ينبغي أن نكون حذرين عند ما نقول أن الحركات الاصلاحية في العالم الاسلامي تأثرت بالدعوة الوهابية، فهناك مؤشرات كثيرة تدلنا على أن الدعوة الوهابية قد أثرت في الحركات القومية في العالم العربي كما أن الحركات الاسلامية التي ظهرت في خارج العالم العربي معظمها تأثرت بالدعوة الوهابية، فالدعوات السلفية التي قامت في الهند وأفغانستان واندونيسيا وبعض المناطق في افريقيا في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين معظمها تأثرت بالدعوة الوهابية بشكل أو بآخر، كما أن كثيرا من المفكرين العرب الذين كانوا يدعون الى آراء اسلامية وقومية في نفس الوقت قد تأثروا بالدعوة الوهابية مثال ذلك المفكر المعروف عبدالرحمن الكواكبي والشيخ رشيد رضا ومحمود الآلوسي العراقي وغيرهم، كما أن هناك عدد كبير من المفكرين الاسلاميين الذين ظهروا في منتصف القرن العشرين وأبرزهم الشيخ المودودي وسيد قطب قد تأثروا بشكل كبير بأراء ابن عبد الوهاب في تفسير التوحيد، أما الشيخ حسن البنا والنبهاني فربما كان تأثرهم بالدعوة الوهابية أقل بكثير من سيد قطب والمودودي، فالنبهاني والبنا كلاهما يستند الى خلفية صوفية ولدعوتهم ميول سياسية واضحة.

أما الجهة الثانية التي ينبغي أن ننظر إليها إذا أردنا أن نعرف مدى تأثر العالم الاسلامي بالدعوة الوهابية هي الدور الذي لعبته الدعوة الوهابية في العالم الاسلامي المعاصر، فاذا كانت الدعوة الوهابية قد حازت فضل السبق في ايقاظ العالم الاسلامي وأثرت علىعدد كبير من المفكريين الاسلاميين، فانها أيضا لعبت دورا مهما في تنشيط حركة الدعوة بين المجتمعات الاسلامية وقد استفاد الدعاة الوهابييون من موقعهم الاستراتيجي بالنسبة للعالم الاسلامي، فقد استخدم الدعاة الوهابييون أوقات الحج لنشر دعوتهم بين الحجاج الذين بدورهم رجعوا الى أوطانهم وتولوا مواصلة الدعوة

(1) عبدالرحمن بن قاسم العاصمي، الدرر السنية في الاجوبة النجدية، الطبعة الثانية 1965م ج2 - 3

ص 191

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت