فهرس الكتاب
وإننا إذا تتابعنا آي القرآن واساليب اللغة واستعمال العرب"لعبد"وما يماثلها ويقاربها في المعنى كخضع وخنع وأطاع وذل نجد أن لاشيء من هذه الألفاظ يضاهي"عبد"ويحل محلها ويقع موقعها، ولذلك قالوا إن لفظ العباد مأخوذ من العبادة فتكثر إضافته إلى الله تعالى، ولفظ"العبيد"تكثر إضافته الى غير اللّه تعالى لأنه مأخوذ من العبودية بمعنى الرق، وفرَّق بين العبادة والعبودية بذلك المعنى، ومن هنا قال بعض العلماء إن العبادة لا تكون في اللغة الا لله تعالى، ولكن استعمال القرآن يخالفه.
يغلوا العاشق في تعظيم معشوقه والخضوع له غلوا كبيرا حتى يفني هواه في هواه، وتذوب إرادته في إرادته، ومع ذلك لا يسمى خضوعه هذا عبادة في الحقيقة، ويبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء والملوك والأمراء فترى من خضوعهم لهم وتحريهم مرضاتهم ما لا تراه من المتحنثين القانتين، دع سائر العابدين، ولم يكن العرب يسمون شيئا من هذا الخضوع عبادة فما هي العبادة إذًا؟
تدل الاساليب الصحيحة والاستعمال العربي الصراح على أن العبادة"ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية ناشئ عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقاده بسلطة لا يدرك كنهها وماهيتها"، وقصارى ما يعرفه منها أنها محيطة به ولكنها فوق إدراكه فمن ينتهي إلى اقصى الذل لملك من الملوك لا يقال أنه عبده، وإن قبل موطء اقدامه، مادام سبب الذل والخضوع معروفا وهو الخوف من ظلمه المعهود، أو الرجاء بكرمه المحدود، اللهمّ الا بالنسبة إلى الذين يعتقدون أن الملك قوة غيبية سماوية أفيضت على الملوك من الملأ الأعلى، واختارتهم للاستعلاء على سائر أهل الدنيا، لانهم أطيب الناس عنصرا، وأكرمهم جوهرا، وهؤلاء هم الذين انتهى بهم هذا الاعتقاد إلى الكفر والألحاد، فاتخذوا الملوك آلهة وأربابا وعبدوهم عبادة حقيقية [1]
فالامام محمد عبده يرى أن العبادة ليست كما يقوله اللغويون أقصى الطاعة والتذلل والخضوع فقط، بل ينظر إلى مصدر هذا الخضوع والتذلل فإن كان مصدره أمرا ظاهرا كالعشق والخوف وغيرهم فلا يسمى عبادة لان العرب لم تسم ذلك عبادة، أما إذا كان هذا الخضوع والتذلل ناشئين عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها فهذا هو العبادة.
إذًا إذا كان منشأ الخضوع غلوا في العشق أو الرجاء بكرم محدود أو الخوف من ظلم لا يسمى عبادة. فعلماء اللغة يرون أن العبادة طاعة وخضوع كما أن بعضهم أضاف إلى ذلك معنى الولاء، أما الشيخ الامام محمد عبده فقد قيد هذا الخضوع بالمنشأ فيجب أن لا يكون منشأه معروفا معلوما لدى العبد، وقد نقل الشيخ القرضاوي كلام الإمام محمد عبده السابق في كتابه"العبادة في الاسلام"فعلق عليه بقوله"هذا التقيد مع مخالفته لما إتفقت عليه كتب اللغة يبدو مخالفا أيضا لظاهر قوله تعالى على لسان فرعون وملئه في شأن موسى وهارون"أنؤمن لبشرين مثلنا وقومها لنا
(1) محمد عبده، تفسير القرآن الحكيم المعروف بتفسير المنار، الجزء الاول طبعة دار المنار مصر الطبعة الثالثة 1367هـ ص 56 - 57 عند تفسير قوله تعالى) اياك نعبد واياك نستعين