الصفحة 74 من 112

عابدون"، قال الطبرى يعنون أنهم لهم مطيعون متذللون يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان لملك عابدا له [1] "

ثم شرع الشيخ القرضاوي يقرر معنى العبادة شرعا مستندا إلى قول ابن تيمية، فيقول وأما شيخ الاسلام ابن تيمية فهو ينظر إلى العبادة نظرة أعمق وأوسع فهو يحلل معناها إلى عناصره البسيطة فيبرز إلى جوار المعنى الأصلى في اللغة -وهو غاية الطاعة والخضوع- عنصرا جديدا له أهمية كبرى في الاسلام، وفي كل الأديان، عنصر لا تتحقق العبادة -كما أمر الله- الإ به، وذلك هو عنصر الحب، فبغير هذا العنصر العاطفي الوجداني لا توجد العبادة التي خلق الله لها الخلق وبعث بها الرسل وأنزل الكتب" [2] ، ثم ينقل كلام ابن تيمية فيقول، وفي توضيح ذلك يقول شيخ الاسلام في رسالته العبودية"الدين يتضمن معنى الخضوع والذل، يقال دنته فدان أي اذللته فذل ويقال يدين الله ويدين لله أي يعبد الله ويطيعه ويخضع له، فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له، والعبادة أصل معناها الذل أيضا، يقال طريق معبد، إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام، لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له. قال"ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له، لم يكن عابدا له". وبعد ان نقل الشيخ القرضاوي كلام ابن تيمية السابق يقرر أن العبادة المشروعة لابد لها من أمرين.

الأول: الإ لتزام بما شرعه الله ودعا إليه رسله، أمرا ونهيا وتحليلا وتحريما، وهذا هو الذي يمثل عنصر الطاعة والخضوع لله.

الثاني: أن يصدر هذا الإلتزام من قلب يحب الله تعالى، فليس في الوجود من هو أجدر من الله تعالى بأن يُحب، فهو صاحب الفضل والاحسان [3]

والجدير بالملاحظة أن الشيخ القرضاوي بينما يأخذ على الامام محمد عبده بتقيده الخضوع والطاعة بمنشأهما، ويقول إنه مخالف لعلماء اللغة وظاهر القرآن، فانه يقرر التعريف الذي قدمه الشيخ ابن تيمية على أساس أنه التعريف الصحيح، بل يقول إن ابن تيمية حلل معنى العبادة وأبرز معنى جديدا بالإضافة إلى المعنى الأصلي للغة وهو"الحب"والسؤال هنا هو ما إذا كان هذا المعنى الاضافي الذي ابرزه ابن تيمية على رأي الشيخ القرضاوي كان موافقا لآراء اللغوين؟ والظاهر أنه ليس كذلك، بل إن اللغوين لا يقيدون معنى العبادة الذي هو غاية الطاعة والخضوع بالحب، ولم يقولوا إن العبادة طاعة وخضوع وحب بل غاية ما في كلامهم -كما مرَّ بنا- ان العبادة غاية الطاعة والخضوع، ثم إن هذه الإضافة وهي عنصر"الحب"وإن وردت في بعض آي القرآن مثل قوله تعالى"قل إن كان آباؤكم وابناؤكم وأخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضرنها أحب إليكم من الله ورسوله"

(1) يوسف القرضاوي، العبادة في الاسلام، بيروت مؤسسة الرسالة 1978م ص30

(2) يوسف القرضاوي، السابق، ص31

(3) يوسف القرضاوي، السابق، ص32 - 33

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت