الصفحة 75 من 112

وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره" [1] ، وقوله تعالى"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" [2] ، فإن هذا ليس معنى حقيقة العبادة وانما هو من مقتضياتها، فالعبادة تقتضي حب الله أو الخوف منه، كما قال تعالى في آيه أخرى"يدعون ربهم خوفا وطمعا" [3] ، وقد أشار الإمام محمد عبده، إلى أن بعض الناس يفسرون الشيء ببعض لوازمه ويعرفون الحقيقة برسومها واضافة معنى الحب الى العبادة لا يحدد معناها وليس هذا التعريف شاملا مانعا إذ المطلوب هو تحديد طبيعة الطاعة والخضوع، وليس المطلوب تحديد ما إذا كان العبد محبا لمعبوده أم كان كارها له أو خائفا منه، فإذا كانت العبادة غاية الطاعة والخضوع، فما مصدر هذا الخصوع وهذه الطاعة؟ وكما رأينا سابقا في كلام الامام محمد عبده، فإن تعريف العبادة بانها غاية الطاعة والخضوع ليس كافيا بل لابد من تحديد مصدر هذا الخضوع، فقد تبين لنا ان العاشق يبالغ أحيانا في حب معشوقه ومع ذلك لا يسمى هذا عبادة كما ذكر ذلك الامام محمد عبده، إذًا هذه الطاعة وهذا الخضوع لابد أن يصاحبهما شعور في القلب يستشعره العابد عظمة للمعبود"فالعبادة إذًا ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية ناشئ عن استشعار القلب عظمة للمعبود"كما عرفها الامام محمد عبده، فلابد أن يكون مصدر هذا الخضوع شعورا في قلب العابد بحيث يستشعر عظمة للمعبود، فالخضوع والطاعة والتذلل لا يسمى عبادة الا إذا استقر في قلب العابد شعور بأن لمعبوده عظمة تصل درجة الألوهية، وقد وردت في القرآن بعض الآيات التي تدل على أن مطلق الخضوع والتذلل ليس بعبادة، فقد أمرنا الله أن نخفض جناح الذل للأبوين فقال تعالى"واخفض لهما جناح الذل من الرحمة" [4] ، وأمر الملائكة أن يسجدوا لآدم فقال"وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم" [5] ، والسجود غاية التذلل والخضوع، وهذا طبعا لايعني أننا نعبد الأبوين كما أنه لا يعني أن الملائكة قد عبدت آدم عليه السلام، ثم إن الشيخ ابن تيمية نفسه لم يقل إن العبادة طاعة وخضوع وحب فقط، وانما قال أن العبادة تتضمن معنى الحب كما قال في مكان آخر من رسالته"العبودية"إن الحب من العبادة [6] ، وقد ذكر ابن تيمية للعبادة تعريفا آخر يختلف عما نقله عنه الشيخ القرضاوي، وقد قال عند ما سئل عن العبادة"العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الاقوال والاعمال الباطنة والظاهرة"فالصلاة والزكاة والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة وبرُّ الولدين وصلة الارحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين، والاحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدمين والبهائم، والدعاء وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والانابة إليه واخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من"

(1) التوبة: 25

(2) آل عمران: 31

(3) السجدة: 16

(4) الاسراء: 24

(5) البقرة: 34

(6) ابن تيمية، رسالة العبودية، علق عليها محمد منير الدمشقي، الرياض، الرياسة العامة لادارات البحوث والافتاء والدعوة والارشاد 1404هـ ص 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت