فهرس الكتاب
عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله" [1] ، هذا هو التعريف المشهور عن ابن تيمية وهي أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الاقوال والاعمال الباطنة والظاهرة، وهذا التعريف هو الذي تمسك به الوهابيون [2] ، أما ما ذكره الشيخ القرضاوي من أن ابن تيمية اضاف الى العبادة عنصرا جديدا وهو"الحب"فهذا غريب لان كون الحب عبادة أو كون العبادة حبا كان أمرا معروفا قبل ابن تيمية، وقد اعتبر كثير من الفلاسفة حب الله وعبادته شيئا واحدا، واعتبر بعضهم حب الله صورة من صور العبادة، أما المتصوفة، فقد بالغوا في مسألة الحب الإلهي"فالمحبة الإلهية في نظر اصحاب الخبرة الصوفية هي محو المحب بصفاته واثبات المحبوب بذاته -وهي خروج عن رؤية المحبوب- وهي ايضا- مَيلُك إلى الله بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك ثم موافقتك له سرا وجهرا، ثم علمك بتقصيرك في حبه" [3] ، فانت ترى أن قول ابن تيمية"بان العبادة تتضمن معنى الحب"ليس أمرا جديدا بل كان معروفا قبل ابن تيمية لدى الفلاسفة الإلهين والمتصوفة وغيرهم، ومن هنا تعلم أن ما ذهب إليه الشيخ القرضاوي وهو ان ابن تيمية أضاف إلى العبادة عنصرا جديد هو الحب أمر بعيد عن الصواب. ثم إن التعريف الذي اشتهر عن ابن تيمية والذى تمسك به اتباعه من السلفين الوهابيين هي"أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الاقوال والاعمال الباطنة والظاهرة"وهذا التعريف كما هو ظاهر عام جدا، ويشمل كل عمل صالح يقدمه العبد الى الله سواء أكان هذا العمل من الاعمال الباطنة أم من الاعمال الظاهرة، وبما أن هذا التعريف عام جدا فانه يشمل كل عمل صالح يفعله العبد، وبمقتضى هذا التعريف تكون الاعمال الصالحة مثل تشميت العاطس ورد السلام واحترام كبار السن وتعظيم شأن العلماء وتكريمهم من العبادة، وبما أن ابن تيمية والسلفيون الوهابيون يعتبرون العبادة توحيدا كما قرر ذلك ابن عبد الوهاب وقبله ابن تيمية فإنه من عمل عملا صالحا من أجل شخص معين يكون عابدا له وبالتالي يكون هذا الشخص قد اشرك في عبادته وتوحيده لله، وسر الخلاف بين الوهابيين وخصومهم في تفسير العبادة، هو أن الوهابيين يعتبرون كل الاعمال الصالحة التي نقدمها عبادة، سواء أقدمناها إلى الله مباشرة أم فعلناها من اجل اشخاص نظن أنهم أهل صلاح ووقار، لنتقرب ذلك العمل إلى الله، وبمقتضى التعريف عندهم فانه كل من يقدم عملا صالحا يحبه الله إلى شخص ما فانه يكون قد عبد هذا الشخص سواء أكان هذا الشخص يعتبر عمله هذا عبادة للشخص الذي يقدم إليه هذا العمل أم لم يكن كذلك، فإنهم لا يسألون عن اعتقاده أو عن مصدر الطاعة أو الخضوع لدى الشخص وانما يحكمون عليه بالشرك، في حين أن خصوم الوهابية لا يعرّفون العبادة كما يعرفها الوهابيون وانما يقول بعضهم بأنها"
(1) ابن تيمية، رسالة العبودية، علق عليها محمد منير الدمشقي، الرياض، الرياسة العامة لادارات البحوث والافتاء والدعوة والارشاد 1404هـ ص 8
(2) ابن تيمية، خلاف الأمة في العبادات و مذهب أهل السنة والجماعة، قدم لها وعلق عليها، عثمان جمعة ضميرية، الطائف، دار الفاروق الطبعة الاولى 1410هـ 1990م ص 7
(3) زكريا ابراهيم، مشكلات فلسفية"مشكلة الحب"مصر، الفجالة 1984م ص 121 - 122، القشيري، الرسالة القشيرية، تحقيق عبدالحليم محمود ومحمود بن شريف، القاهرة دار الكتب الحديثة، بدون تاريخ. ج2ص618