فهرس الكتاب
"الاتيان باقصى الخصوع قلبا وقالبا" [1] ، كما قال بعض الآخرين"إن أي عمل ينبع من الاعتقاد بأن الله إله العالم أو ربه أوغني في فعله وأنه مصدر للافعال الإلهية ويكون كاشفا عن هذا النوع من تسليم المطلق يُعد عبادة يُعتبر صاحبه مشركا إذا فعل ذلك لغير الله" [2] ، وعرف آخرون العبادة بانها"كون العبد في مقام الاعتراف والاذعان بالعبودية مقرونا بما يليق بها من الاستعمال ما يدل على اقصى مراتب الخضوع والذلة بالسجود والركوع والهرولة والطواف وغير ذلك مما وصفته الشرائع" [3] ، وقال بعضهم انه لايطلق اسم العبادة على ما ظهر من الاستعمال اللغوي إلا على ما كان بهذه المثابة من كون العمل دالا على غاية الخضوع منويا به التقرب للمعبود تعظيما له بذلك التعظيم التام، فإذا اختل شيء منها مُنع الإطلاق [4] ، فالواضح من أقوال بعض علماء الاشاعرة والشيعة وكلام الامام محمد عبده السابق هو أنه لابد من تحديد طبيعة الخضوع ومنشأه، فقد عرف ابي حامد مرزوق العبادة لغة وشرعا فقال"العبادة لغة"أقصى نهاية الخضوع والتذلل بشرط نية التقرب"، قال"ولا يكون ذلك إلا لمن له غاية التعظيم، فقد تبين منه أن العبادة لا تطلق إلا على العمل الدال على الخضوع المتقرب به لمن يعظمه باعتقاد تأثيره في النفع والضر أو اعتقاد الجاه العظيم الذي ينفعه في الدنيا والآخرة وهي التي نهى الله سبحانه وتعالى عن أن تقع لغيره وكفر من لم ينته عنها، وما قصر عن هذه المرتبة لايقال فيه عبادة لغير الله"فانت ترى أنه قيد الخضوع والتذلل بشرط نية التقرب فإن لم تكن هناك نية فالخضوع والتذلل ليسا بعبادة، ثم إنه عرّف العبادة شرعا، فقال: العبادة شرعا"امتثال أمرالله كما أمر على الوجه المأمور به من أجل أنه أمر مع المبادرة بغاية الحب والخضوع والتعظيم فاعتبر فيها ما اعتبر في اللغوية من الخضوع والتذلل والتعظيم، فاللغوية غير مقيدة بعمل مخصوص، والشرعية مقيدة بالاعمال المأمور بها فكانت جارية على الاعم الأغلب في الحقائق الشرعية من كونها أخص من اللغوية ومن أجل اختصاصها بالمأمور به خرجت عبادة اليهودي مثلا لأنه وإن تمسك بشريعة الا أنها لما كانت منسوخة كانت كأن لم تكن" [5] "
إذا نقطة الخلاف بين الوهابية وخصومها في تفسير مسألة العبادة هي ان السلفيين الوهابيين يعتبرون كل الاعمال الصالحة عبادة، بمعنى أن تقديم هذه الأعمال الصالحة لغير الله يكون شركا في العبادة، وليس المقصود أنه يثاب فاعلها لانها عبادة فهذا أمر لا خلاف فيه بين الخصمين وانما الخلاف فيما إذا كان فعل بعض الاعمال الصالحة من ضمن العبادة التي اذا قدمها العبد لغير الله يكون مشركا، ومثال ذلك، تعظيم شأن عالم من العلماء، فهذا التعظيم عمل صالح يثاب عليه فاعله، ولكن ليس عبادة للمعظم به، فغير الوهابيين يفرقون بين العبادة والتقرب ويرون أن تعريف ابن تيمية السابق من أكثر التعاريف اشكالية فقد قال الشيخ جعفرسبحاني"وأكثر التعاريف عرضة للاشكال تعريف ابن تيمية إذ قال: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه اللّه و يرضاه من الاقوال والاعمال الباطنة والظاهرة .. الخ، وهذا"
(1) ابي حامد مرزوق، التوسل، ص20
(2) جعفر سبحاني، التوحيد والشرك في القرآن الكريم، ص 94
(3) آل كاشف الغطاء، الآيات البينات، ص 29
(4) ابي حامد مرزوق، التوسل، ص 58
(5) ابي حامد مرزوق، السابق، ص 55 - 56