الصفحة 87 من 112

ذكر عضد الدين الايجي أن جمهور المتكلمين والفقهاء لا يقولون بكفر مخالفيهم من أهل القبلة وإن كانوا مخالفين للحق [1]

بقي لنا أن نشير إلى أمر آخر له أهمية وهو أن اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب يرفضون القول بان ابن عبد الوهاب كان يكفر المسلمين الذين لم يقبلوا الانتماء الى مذهبه، ويؤكدون بأنه لا يوجد في كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ما يدل على ذلك، وقولهم هذا في الحقيقة يتناقض مع ما نقلناه عن الشيخ ابن عبد الوهاب نفسه كما نقله غيرنا من الباحثين، ثم إن ابن عبد الوهاب واتباعه وإن كانوا متفقين في معظم الاشياء التي يكفر مرتكبها، فإن آراءهم في بعض المسائل ليست واحدة، بل إن الواحد منهم ربما يكون له رأيان في المسالة الواحدة، ودعونا نأخذ مثالا لذلك قضية التوسل بالاؤلياء أو الاستغاثة بهم هل هي شرك أو لا؟ فأقوال ابن عبد الوهاب في بعض رسائله تدل على أنه يعتبرها شركا [2] ، في حين أنه قال في أماكن أخري من رسائله"إن التوسل بالانبياء والصالحين ليس بشرك" [3]

وقد ظهر هذا التناقض في أراء بعض انصار الشيخ محمد فقد قال ابن باز عند ما سُئل عما اذا كان جائزا التوسل بجاه فلان؟ قال"هذا من البدع التي لم يشرعها الله" [4] ، فإنه يرى أن التوسل بجاه فلان مثلا بدعه، في حين أنه قال في أماكن أخرى من فتاويه إن الاستغاثة شرك، وسوف نعود إلى هذه القضية عند مناقشتنا لمسألة التوسل، الا أننا نريد هنا أن نعطي صورة واضحة لهذا التضارب في آراء أنصار الوهابية في حكم بعض المسائل كالتي اشرنا اليها، وليس الشيخ ابن باز وحده من تكلم عن هذه المسائل بهذا الشكل بل هناك من اعتبرها شركا كالشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي المتوفي سنة 1376هـ [5] ، إن علماء الوهابية يضعون مسألة التوسل وغيرها مثل الاستشفاع والاستعانة ضمن مسائل العقيدة، وبالتالي كان ينبغي أن تكون آراءهم فيها واحدة، وقد تبين لنا عن المثال السابق انها ليست كذلك بل تتعارض في بعض الأحيان وسبب هذا التعارض على ما يبدو هو أن بعض علماء الوهابية ينظرون لهذه المسائل من جهة أنها دعاء كما هو الحال عند الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بينما لم يفعل الآخرون كذلك، وربما يكون سبب هذا التعارض ناشئا عن آراء الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذه المسائل، فإنه قد اعتبرها شركا أحيانا بينما قال إنها ليست بشرك في أحايين أخرى كما ذكرنا سابقا، وعلى كل، فإن هذا التعارض قد أوقع كثيرا من المسلمين في حيرة، وسوف نتناول هذه القضية بشيء من التفصيل فيما يلي، وانما كان هدفنا هنا أن نبين موقف انصار السلفية الوهابية من مسألة تكفير المسلمين، والقواعد التي اعتمدوا عليها لتكفير مخالفيهم، وقد تبين لنا أن هذه

(1) الإيجي، عضد الدين، المواقف في علم الكلام، مكتبة المتنبي، القاهرة بدون تاريخ، ص392

(2) محمد بن عبد الوهاب، كشف الشبهات، مطبوع مع"مجموع الرسائل المفيدة في أصول الدين وفروعه، منشورات المؤسسة السعيدية بالرياض، ص142، 143"

(3) عبد الرحمن بن قاسم، الدرر السنية، ج2 ص 43

(4) بن باز، عبدالعزيز بن عبدالله، مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة، الرياض 1990م، الرياسة العامة لادارات البحوث العلمية و افتاء والدعوة والارشاد، الادارة العامة للطبع والترجمة، الطبعة الثانية، الجزء الرابع، التوحيد و ما يلحق به ص27، قال إن الاستغاثة شرك في فتاوى اسلامية، قدم له وأشرف عليه قاسم الشماعي الرفاعي، بيروت - دار القلم 1988م ج1 ص 72

(5) عبدالرحمن بن ناصر، القول السديد، طبعة جدة بدون تاريخ، ص 30

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت