الصفحة 91 من 112

الفصل السادس

موقف السلفية الوهابية من بعض الفرق الاسلامية

في الفصلين السابقين تناولنا بالدرس والتحليل بعض القضايا التي احتدم الجدل حولها بين أنصار الوهابية وخصومها كالتوحيد، والعبادة والتكفير والتوسل، وقد استعرضنا بعض آراء نقاد السلفية الوهابية الذين كانوا ينتمون الى اتجاهات فكرية اسلامية، كالاتجاه الشيعي والاشعري، وقد رأينا أن الخلاف بين الشيعة والاشعرية وبين السلفية الوهابة في قضايا التوحيد والعبادة والتكفير والتوسل خلاف فرعي ليس له أي طابع جوهري، فغاية ما في هذه الخلافات أنها خلافات في تفسير هذه القضايا، وقد رأينا أن الخلاف في فكرة التوحيد يرجع الى التقسيمات والمراتب التي يجعلها الخصوم لقضية التوحيد، وقد وجدنا أن بعض نقاد الأشاعرة يرفضون هذا التقسيم كما أن بعض مفكري الشيعة رفضوا تقسيم التوحيد الى نوعين فقط أو ثلاثة، كما اتضح لنا أن الخلاف في قضية العبادة يرجع الى قضايا اصطلاحية، فقد بني اللأشاعرة فكرة العبادة على الربوبية، بينما يرى السلفيون الوهابيون ان الألوهية هي التي ينبغي أن يبنى عليها العبادة، وخلصنا الى القول بأن الخلاف في هذه القضايا انما هو خلاف في التفسير لا خلافا في القضايا في حد ذاتها من حيث الوجود أو من حيث شرعيتها وموافقتها للشريعة الاسلامية.

وإذا كنا قد أعطينا الأولوية في الفصلين السابقين لعرض آراء خصوم الوهابية كالشيعة والأشاعرة في قضايا التوحيد والعبادة والتكفير والتوسل، فقد رأينا من الّلازم أن نستعرض في هذا الفصل، أثر هذه الخلافات في علاقات الفرق الاسلامية وخاصة السلفية الوهابية وخصومها في هذه القضايا وموقف الوهابية من هذه الفرق، حتى نستبين الحدود التي تتحرك في إطارها الحركة السلفية الوهابية لإنجاز العمل الاسلامي الذي يدعون اليه، كما أننا نستطيع أن نتعرف من خلال هذا الاستعراض مدى التقارب والتباعد بين السلفية الوهابية وبين هذه الاتجاهات الاسلامية الأخرى.

إن صراع الاتجاهات الفكرية ليس أمرا جديدا في حضارتنا الاسلامية، ومن السهل جدا أن يطلع المرأ على بعض المصادر التي تتحدث عن تاريخ التيارات الفكرية في العالم الاسلامي حتى تنكشف له أفاق الملاحم الكبرى التي دارت مثلا بين التيار الصوفي والفقهاء أو التيار السلفي والمتكلمين، أو بين التيار الشيعي والسني وغير ذلك من تيارات الفكر الاسلامي، ولا شك أن كل تيار من هذه التيارات كان يهدف الى نشر أفكاره وآرائه بين المسلمين لتتسنى له قيادة الفكر الاسلامي، ومع أن صراع التيارات الفكرية في الاسلام لم يكن شرا محضا بطبيعة الحال إلا أن الامر الذي لم يخطر على بال زعماء هذه التيارات كان فكرة التسامح ومحاولة العمل سويا للوصول الى دائرة العمل المشترك لأنجاز عمل اسلامي من أجل رفع مستوى الأمة الاسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت