الصفحة 92 من 112

إن الصراع الفكري بين السلفية الوهابية وبين الفرق الاخرى في العالم الاسلامي في العصر الحديث ما هو الا امتداد لتلك الصراعات الفكرية التي غيرت مسار وجهة العالم الاسلامي منذ زمن بعيد، فموقف السلفية الوهابية اليوم من التصوف والفلسفة وعلم الكلام والتشيع يشبه تماما موقف الفقهاء من هذه التيارات قبل عشرة قرون، فقد كانت السلطة غالبا في يد الفقهاء بما لهم من تأثير في قلوب الحكام وعامة الناس وبما أنهم كانوا يتولون الهيئة القضائية في الدولة مكنهم ذلك من الانتقام من منافسيهم فتعرض المتصوفة للاضطهاد حتى ظهر الامام الغزالي، وكان أفضل ما يقال عن الفلاسفة والمتكلمين بأنهم زنادقة أو ملاحدة، أما العلماء الطبيعيون فلم يكن لهم ذكر في التاريخ الاسلامي، وقد تشكل العقل الاسلامي الحديث من خلال هذا النوع من التفكير حتى أصبحت آراء المفكرين وعلماء المسلمين أمرا لا يعتد به الا إذا تكلم هذا المفكر أو العالم بآية أو حديث، فإذا فعل ذلك وإن لم يفهم معنى الآية أو الحديث وجد لآرائه آذانا صاغية واتباعا يتعصبون له ويمارسون الارهاب والتخويف لفرض هذه الآراء على الغير أو لتصفية خصومهم بالقوة، والاسلام بريئ من كل هذه التعصبات المذهبية والفكرية، وحتى يكون هذا الامر واضحا دعونا ننظر موقف السلفية الوهابية من التصوف والشيعة.

1 -التصوف

إن الخلاف بين أنصار السلفية الوهابية والمتصوفة ما هو الا امتدادا لذلك الصراع الطويل الذي دار بين الفقهاء والمتصوفة منذ قرون بعيدة، وقد اشتد النزاع بين الفقهاء وخاصة الحنابلة وبين المتصوفة منذ عصر التدوين، ويذكر بعض الباحثين لنشأة هذا الصراع اسبابا أهمها، أن الفقه علم يختص بأحكام الاعمال الظاهرة من العبادات والمعاملات والجنايات والأحوال الشخصية، بينما يهتم التصوف بالنظر الى باطن الانسان وتزكية النفس [1] ، وقد يكون هذا الذي ذكروه صحيحا لأنه إذا كان علم الفقه يهتم بالتصرفات الظاهرة وكان التصوف يعطي الأهمية القصوى لباطن الانسان أو الجارحة الباطنية وهي القلب كان من الممكن جدا أن ينشأ بين أتباع هذين المنهجين نزاع، ولكن مما يؤسف له أن بعض الدارسين يحاولون أن يصوروا هذا النزاع وهذه الخلافات التي هي خلافات في المنهج صراعا بين الحق والباطل، إذ أنهم يصورون الخلاف بين الفقهاء والصوفية، وكأنه خلاف بين الاسلام والكفر [2] ، وهؤلاء الذين

(1) آمنه محمد نصر، الشيخ الامام محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في مباحث العقيدة، دار الشروق، الطبعة الاولى 1403هـ /1983 ص 150

(2) أنظر مثلا مؤلفات سميح عاطف الزين وخاصة في كتابه الصوفية في نظر الاسلام، دار الكتاب اللبناني، بيروت الطبعة الثانية بدون تاريخ، وقد عدّ هذا الكاتب التصوف عاملا من عوامل ضعف المسلمين، ص 5 المقدمة. وكذلك آمنه محمد نصر، الشيخ الامام محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في مباحث العقيدة، دار الشروق، الطبعة الاولى 1403هـ/1983م ص 150. وانظر كذلك عبدالرحمن بن عبدالخالق، فضائح الصوفية، الرياض 1412هـ الطبعة الثانية، مكتبة دار السلام. وابن تيمية الحراني، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، المكتب الاسلامي، الطبعة الثانية، بيروت 1390هـ، وابن الجوزي الامام جمال الدين ابي الفرج عبدالرحمن ت 597هـ، تلبيس ابليس، دار الكتب العلمية، بيروت، 1983م وبرهان الدين البقاعي، مصرع التصوف او تنبيه الغبي الى تكفير ابن عربي - تحقيق و تعليق عبدالرحمن الوكيل عضو جماعة انصار السنة، بدون تاريخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت