الصفحة 93 من 112

يهاجمون التصوف و يصورونه وكأنه مذهب مناقض للأسلام إنما يحاولون دمج التيار الصوفي في الفقه بحيث يكون تابعا للفقه ومناهجه، ولذلك ترى أن الكثيرين من أولئك الذين يصفون التصوف بأنه ضد الاسلام أو بأنه مذهب مخالف للشريعة يستثنون أحيانا أشخاصا من أولئك الذين يعتبرونهم خارجين عن الاسلام، و يرون أن هؤلاء الذين استثنوا عن بقية المتصوفة قوم متبعون لمناهج الفقهاء ومقتدون بهم، وبالتالي إذا كانوا يقتدون بالفقهاء فمن الممكن قبولهم كمتصوفة مسلمين، وكأن المتصوفة منقسمون في نظرهم الى قسمين، قسم مؤمنون أو مسلمون يتبعون مناهج الفقهاء ومذاهبهم في الفقه وقسم آخر يسميه ابن تيمية بأنهم أولياء الشياطين كابن عربي وغيره ممن يقال عنهم بأنهم أصحاب مذهب وحدة الوجود [1]

إن التصوف اتجاه روحي اسلامي ينبع من أصول اسلامية ولا سبيل الى إنكاره أو ابعاده عن الاسلام مادام هناك أدلة قرآنية تؤكد فضل الزهد والتقشف والاهتمام باليوم الآخر، وتقلل من شأن الحياة الدنيا وما فيها وتشجع المؤمنين بالتقوى والتقرب الى الله [2] ، ومن ثمَّ فمن الخطأ تصوير الصراع بين التيارالسلفي والتيار الصوفي بأنه صراع بين الحق والباطل أو بين الكفر والعقيدة، وليس هناك من شك أن لبعض الصوفية آراء لا يمكن أن تكون مقبولة في الاسلام، ولكن هذا الامر وحده لا يبرر رفض التصوف كليا واخراج اصحابه من دائرة الاسلام، ذلك أن التيار الصوفي يحمل في طياته مذاهب مختلفة وربما تكون بعضها متناقضة في بعض الاحيان، فالتيار الصوفي مر بمراحل مختلفة، ويذكر بعض دارسي تاريخ التصوف الاسلامي مراحل ثلاثة، الأولى هي المرحلة التي تغطي القرون الثلاثة الأولى وهي مرحلة البحث عن الذات أو هي فترة الصراع من أجل البقاء، على حد تعبير نيكلسون، والمرحلة الثانية هي مرحلة التوفيق بين التصوف وخصومه التي انتهت بانتصار التصوف على الفقهاء على يد الامام ابي حامد الغزالي، أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة ما بعد الانتصار وتتميز بانتشار المؤلفات الكبرى في التصوف [3] ، وقد ظهر بعد ذلك اتجاهان للتصوف كما يقول نيكلسون، وهما اتجاه ميتافيزيقي يمثله ابن عربي والسُّهراوردي المقتول، واتجاه شعبي تمثل

(1) ابن تيمية الحراني، الفرقان بين أولياء الرحمن واولياء الشيطان، ص 66، 83، 87

(2) هناك عدد من الايات تصور الحياة الدنيا بأنها شيء زائل و تقلل من شأنها، كما أن هناك آيات تؤكد أن الآخرة خير وأبقى، مثال ذلك قول الله تعالى"إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فأختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعام حتى اذا أخذت الأرض زخرفها وزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالامس كذلك نفصل الايات لقوم يتفكرون"يونس 24. وكذلك قوله"وضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فأختلط به نبات الارض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا"الكهف:45. وكذلك قوله تعالى"زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحية الدنيا والله عنده حسن مآب"آل عمران:14. وكذلك قوله"فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرو"لقمان:33، فاطر:5. وكذلك قوله تعالى"وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور"آل عمران:185، والحديد:20. وكذلك قوله"فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عندالله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون"الشورى:36، الى غير ذلك من ألايات

(3) نيكلسون الفلسفة وعلم الكلام والتصوف، تراث الاسلام، الطبعة الثانية، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون و الآداب، الكويت، الجزء الثاني ترجمة حسين مؤنس وآخرون، ص 94 - 95

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت