قال صالح: (( ثم خُلي عنه فصار إلى منزله، وكان مكثه في السجن منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلي عنه، ثمانيةً وعشرين شهرًا.
ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه، قال: يا ابن أخي، رحمة الله على أبي عبدالله، والله ما رأيتُ أحدًا يشبهه، ولقد جعلتُ أقول له في وقت ما يُوجه إلينا بالطعام: (( يا أبا عبدالله، أنت صائم، وأنت في موضع تَسقية ) ) (207) ، ولقد عطش فقال: لصاحب الشراب: (( ناولني ) )، فناوله قدحًا فيه ماء وثلج، فأخذه ونظر إليه هنيَّة، ثم رده ولم يشرب! فجعلتُ أعجب من صبره على الجوع والعطش، وهو فيما هو فيه من الهول )) (208) اهـ.
وقد علق الإمام أبو الفرج بن الجوزي على موقف الإمام أحمد -رحمه الله- قائلًا: (( هذا رجل هانت عليه نفسه في الله تعالى فبذلها، كما هانت على بلال نفسه، وقد روينا عن سعيد بن المسيب: (( أنه كانت نفسه عليه في الله تعالى أهون من نفس ذباب ) )، وإنما تهون أنفسهم عليهم لتلمحهم العواقب، فعيون البصائر ناظرةٌ إلى المال، لا إلى الحال، قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يبتلى المرء على حسب دينه ) )، فسبحان من أيده و بصَّره وقواه ونصره )) (209) .
ومن هؤلاء الأبطال الذين أوذوا في سبيل الله وكانت دعوتهم نبراسًا للدعاة إلى الله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-
يقول تلميذه الإمام الذهبي: (( لقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يُسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون، وهابوا وجسر هو عليها، حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه، وبدعوه وناظروه، وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أداه إليه اجتهاده، وحدة ذهنه، وسعة دائرته في السنن والأقوال، مع ما اشتهر منه من الورع، وكمال الفكرة، وسرعة الإدراك والخوف من الله العظيم.