فهرس الكتاب
للذل والخضوع لا يكون إلا لله تعالى وصرفه لغير الله تعالى من الشرك، ويكون من الشرك الأكبر إذا كان في أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وأما رجاء العبد في أمر يقدر عليه باعتبار أن الله تعالى وضعه من أسباب حصول المراد، بلا ذل له ولا خضوع فلا بأس به وعليه: ــ فالرجاء الصادر من عباد القبور لأصحابها من الشرك الأكبر لأنه لم يرجه في تحقيق مراده إلا لاعتقاده أن له تصرفا خفيا في الكون، والرجاء الصادر من عباد الأوثان لأوثانهم من الشرك الأكبر لأن هذه الأوثان عاجزة عن تحقيق مرادهم، فهم إنما عبدوها يرجون منها أن تشفع لهم عند الله تعالى وتقربهم إليه زلفى، وهي لا تقدر على ذلك، فرجاء الأصنام والأشجار والأحجار من الشرك الأكبر، بل وقد يكون الرجاء فيما يقدر عليه العبد من الشرك الأكبر بحسب ما يقوم في قلب الراجي من الذل والخضوع للمرجو، فالله هو المرجو وحده لا شريك له، فرجا ء الغير مشروط بشرطين: ــ أن لا يصاحبه ذل ولا خضوع، وأن يكون فيما يقدر عليه، وقد سمعت رجلا يقول لآخر: ــ أرجوك بكل معاني الرجاء في قلبي، وهذا لا يجوز لأن رجاء التعبد والذل والاستكانة والخضوع والتقرب لا يكون إلا لله تعالى، فعباد الأوثان يرجون من أوثانهم النصر والعز والشفاعة والحفظ والتمكين وكل هذا من الشرك الأكبر، ومن صوره أيضا رجاء المريد الصوفي لشيخه الذي يتعلم على يديه، فإن المريد يرجو من شيخه ما لا يجوز رجاؤه إلا من الله تعالى، ومن صوره أيضا رجاء من يأتي إلى الكهان والسحرة في استكشاف ما هو من الغيب، في معرفة الرزق والحال في المستقبل، فإنه يأتيهم وكله رجاء في أن يكشفوا له ما هو من الغيب الذي سيأتيه، وهذا هو عين الشرك الأكبر، ولا شك