الصفحة 106 من 112

وخلفه تلميذه أفلاطون (427 - 347 ق.م) فتبعه في مباحث الأخلاق والسياسة والثقافة والنفسية ، وتبع فيثاغورس في العقائد الروحية ومزج الفلسفة بالرياضة والدين . ولو لم يكن أفلاطون وثني البيئة لكا أرفع الإلهيين تنزيها للوحدانية . ولكن البيئة الوثنية غلبته علي تفكيره بحكم العادة وتواتر المحسوسات ، فأدخل في عقيدته أربابا وأنصاف أرباب لا محل لها في ديانات التوحيد ولا سيما عند الفلاسفة الموحدين .

فالوجود في مذهب أفلاطون طبقتان متقابلتان: طبقة العقل المطلق وطبقة المادة أو الهيولي Hyle والقدرة كلها من العقل المطلق ، والعجز كله من الهيولي . وبين ذلك كائنات علي درجات تعلو بمقدار ما تأخذ من العقل ، وتسفل بمقدار ما تأخذ من الهيولي .

وهذه الكائنات المتوسطة بعضها أرباب وبعضها أنصاف أرباب وبعضها نفوس بشرية . وقد ارتضي أفلاطون وجود تلك الأرباب المتوسطة ليعلل بها ما في العالم من شر ونقص وألم . فإن العقل المطلق كمال لا يحده الزمان والمكان ولا يصدر عنه إلا الخير والفضيلة . فهذه الأرباب الوسطي هي التي تولت الخلق لتوسطها بين الإله القادر والهيولي العاجزة .. فجاء النقص والشر والألم من هذا المتوسط بين الطرفين .

وكل هذه المظاهر المادية بطلان وخداع . لأنها تتغير وتتلون وتتراءي للحس علي أشكال وأوضاع لا تصمد علي حال .. وإنما الصمود والدوام للعقل المجرد دون غيره . وفي العقل المجرد تستقر الموجودات (الصحائح) أو المثل كما سميت في الكتب العربية ، وهي كالعقل المجرد خالدة دائمة لا تقبل النقص ولا يعرض لها الفساد .

هذه الصحائح هي المثل العليا لكل موجود يلتبس بالمادة أو الهيولي فكل شجرة -مثلا- فيها صفة أو صفات ناقصة من نعوت الشجرية فأين هي الشجرة التي لا نقص فيها ؟ هي في عقل الله منذ القدم . وكل ما تلبس بالمادة من خصائص الشجرة فهو محاكاه للمثل الأعلي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت