فهرس الكتاب
وبقاء هذه الموجودات هو أيضا محاكاه لبقاء الله .. فبقاء الله بقاء أبدي لا أول له ولا آخر ولا تحول فيه ولا تقلب ، ولا تعرض له الزيادة ولا النقصان .
أما بقاء هذه الموجودات فهو بقاء في الزمان ،و الزمان مخلوق من حركة الأفلإك ، فهو مقياس لبقاء المخلوقات وليس بمقياس لبقاء الخالق .وإنما شاء الله بجوده و رحمته أن يعطى الموجودات نصيبها من البقاء فأعطاها ا لزمان ، وهو محاكاة للأبد السرمدي الذي لا ابتداء له ولا انتهاء كما أن الموجودات المحسوسة محاكاة للموجودات المثالية التى يعقلها الله وتخرجها أنصاف الأرباب إلى حيز الوجود ، فتنقص لأن أنصاف الأرباب لا تعقلها كما يعقلها الله ، ولأن التلبس بالمادة يحيطها بالحدود وينضج عليها من عوامل الفساد .
والعقل البشرى يعلو فيدرك الحقائق المجردة ، ويهبط فيدرك المحسوسات بالتجربة والمشاهدة ، ومن أمثلة الحقائق التي تدرك بغير تجربة حسية حقائق الرياضة العليا . فإن الله مهندس ، وأحكامه هى الهندسة القائمة على نسب الحقائق المجردة ، ومعرفتها معرفة عقلية يدركها الإنسان بصفاء القريحة ، وربما كانت هذه النسب أو الأعداد مرادفة للمثل العليا أو للصحائح في فلسفة أفلاطون ، ولا سيما ما ذكره عنها في أيامه الأخيرة ، ورجع به إلى فيثاغورث .
وقد رجع أفلاطون إلى فيثاغورث في القول بتناسخ الأرواح وتجدد الآجال على حسب الحسنات والسيئات .. فالنفس البشرية إذا استلهمت القدرة من العقل الإلهى تغلبت على عجز المادة والجسد وصعدت إلى معدنها الأول ، فخلصت إلى عالم البقاء الذى لا يشوبه فساد .. ولكنها رزحت بثقل المادة واستسلمت لعجزها ونسيت قدرتها على مكافحتها هبطت من جسد إلى جسد أحقر منه وأدنى فكانت في جسم حيوان بعد أن كانت في جسم إنسان ، وانحدرت من حيوان كريم إلى حشرة لئيمة ، حتى تفيق من غشيتها وتستأنف في عالم العقل المجرد سيرتها الأولى .