الصفحة 108 من 112

فالهيولى مقاومة العقل المجرد وليست موجدة بمشيئته من العدم . ولعل أفلاطون لم يحاول أن يردها إلى العدم ، أو يقول بوجودها من العدم ، لأنها كانت حقيقة واقعة في رأي سابقيه من فلاسفة اليونان ولأنها ساعدته على تعليل النقص والشر والألم .. فوقف بها بين الكمال المطلق الذى ينبغى للإله الأعظم ، وبين عوارض القصور التى تقترن بغيره من الموجودات .

وقام بعد أفلاطون تلميذه العظيم أرسطو فتوسه فيما بعد الطبيعة توسعا لم يسبق إليه بين الفلاسفة الأوائل , ووضع للجدل معياره الذى سمى بعد ذلك بعلم المنطق ، وفصل بين الحدود فبالغ أحيانا في الفصل بينها ، ولكنه أقام القواعد الأولى على أساس صحيح .

والله عند أرسطو هو العلة الأولى وهو المحرك الأول .

فلابد لهذه المتحركات من محرك ، ولابد للمحرك من محرك آخر متقدم عليه ، وهكذا حتى ينتهي العقل إلى محرك بذاته ، أو محرك لا يتحرك . لأن العقل لا يقبل التسلسل في الماضي إلى غير نهاية .. وهذا المحرك الذي لا يتحرك لا بد أن يكون سرمدا لا أول له ولا آخر ، وأن يكون كاملا منزها عن النقص والتركيب والتعدد ، وأن يكون مستغنيا بوجوده عن كل موجود . وهذا المحرك الأول سابق للعالم في وجوده سبق العلة لا سبق الزمان . كما تسبق المقدمات نتائجها في العقل ولكنها لا تسبقها في التركيب الزمني . لأن الزمان حركة العالم ، فهو لا يسبقه . أو كما قال (لا يخلق العالم في زمان) .

وعلي هذا يقول أرسطو بقدم العالم علي سبيل الترجيح يقارب اليقين . إلا أن يقرر في كتاب (الجدل) أن قدم العالم مسألة لا تثبت بالبرهان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت