الصفحة 109 من 112

وإجمال براهينه في في هذه القضية أن إحداث العالم يستلزم تغييرا في إرادة الله والله منزه الغير . فهو إذا أحدث العالم فإنما يحدثه ليبقي جل جلاله كما كان ، أو يحدثه لما هو أفضل ، أو يحدثه لما هو مفضول ، وكل هذه الفروض بعيدة عما يتصوره أرسطو في حق الله . فإذا حدث العالم وبقي الله كما كان فذاك عبث والله منزه عن العبث ، وإذا أحدثه ليصبح أفضل مما كان فلا محل للزيادة علي كماله ، وإذا أحدثه ليصبح مفضولا فذلك نقص يتنزه عنه الكمال .

وإذا كانت إرادة الله قديمة لا تتغير - فوجود العالم ينبغي أن يكون قديما كإرادة الله لأن إرادة الله هي علة وجود العالم . وليست هذه العلة فتقرة إلي سبب خارج منها ، فلا موجب إذن لتأخر المعلول عن علته ، أو لتأخر الموجودات عن سببها الذي لا سبب لها غيره .

فالإنسان يجوز أن يريد اليوم شيئا ثم يتأخر إنجازه ، لنقص الوسيلة أو لعارض طارئ أو لعدول عن الإرادة . وكل ذلك ممتنع في حق الله .

وقد أفرط أرسطو في هذا القياس حتي قال أن الله جل وعلا لا يعلم الموجودات لأنها أقل من أن يعلمها .

وإنما يعقل الله أفضل المعقولات ، وليس أفضل من ذاته فهو يعقل ذاته ، وهو العاقل والمعقول ، وذلك أفضل ما يكون .

والعقل بالنسبة إلي الله يخالف العقل بالنسبة إلي غيره من الموجودات الفانية ، فإن الإنسان يعقل الجزيئات بعد وقوعها ثم يعقل الكليات بعد استقصاء الجزيئات ، ويلزمه ذلك لأنه يعلم بعد جهل ويتوقف علمه علي المعلوم ، وليس علم الله متوقفا علي ما عداه .

وكل صفة من صفات الله فهي تتعلق به ولا تتعلق بغيره ، وهي قائمة به ولا تقوم علي غيره ، ومن هذه الصفات الإرادة والعلم كما تقدم ، ومنها الكرم والرحمة والخير والعدل والحكمة وسائر صفات الكمال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت