الصفحة 110 من 112

فالله لا يريد العالم لأنه يحتاج إليه .. ولكن العالم يريد الله لأنه متوقف عليه .. ويسأل السائل: إذن كيف يكون هذا التوقف إن لم يعمل من أعمال المشيئة الإلهية في الجملة والتفصيل؟ .. وجواب أرسطوعلي هذا السؤال أن يكون بسعي الناقص إلي طلب الكمال ، أو بسعي الموجودات إلي التشبه بعلتها الأولي .فالله أعطاها العقل ، والعقل يبعث فيها الشوق إلي مصدرها الأول . فتتحرك وتعلو بالحركة ، أو تكسب في كل حركة صورة أرفع من صورتها وحظا من الكمال أرفع من حظها ، تقريبا إلي الصورة التي لا تشوبها شائبة من عجز المادة أو الهيولي .. وهي الصورة السرمدية الكاملة: صور الله .

ولا يفهم معني هذا الارتفاع إلا إذا فهم معني الصورة في مذهب أرسطو .. فالصورة في مذهبه هي حقيقة الشيء وماهيته التي يقوم بها وجوده ، وليست هي مشكلة البادي للعين أو تماثله الملموس باليدين . فصورة العصفور هي حقيقته التي يكون بعا عصفورا ، ولا يكون غير ذلك من الطيور أو الأحياء علي العموم .. وصورة الدرهم هي جوهره الذي يميزه من سائر قطع الفضة وسائر قطع النقد ويجعله درهما وتزول عنه (الدرهمية) إذ زال . ولا يخلو موجود في العالم من الصورة .. فكل موجود فهو صورة ومادة أو (هيولى) .

وتترقى الموجودات في شرف الوجود كلما عظم نصيبها من الصورة وقل نصيبها من الهيولى .. فالموجودات الخسيسة يوشك أن تكون هيولى محضا خالية من كل صورة . فلا فرق بين جزء وجزء ولا بين فرد وآخر من الجنس نفسه .

وكلما ارتقت في سلم الوجود زاد نصيبها من الصورة المميزة وقل نصيبها من الهيولى المتشابهة . وربما أصبحت صورة جسم مادة لجسم آخر . كالورق الذي هو صورة مميزة لبعض الموجودات وهو في الوقت نفسه مادة للكتاب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت