فهرس الكتاب
وأعلم الموجودات على هذا القياس هو الله ، لأنه صورة محض لا تشوبه المادة ، ومعنى مجرد لا يقوم في جسد .. وأخس الموجودات جميعا هو الهيولى ، وهي لم توجد فقط منعزلة عن صورة من الصور ، وإذا وجدت منعزلة عن الصورة فهي وجود بالقوة أي وجود لم يتحقق بالفعل ولا يزال في انتظار التحقيق .. والحركة هي التي تحققه .. والحركة هي التي ترتقي به من صورة إلى صورة .
ولما كان الله هو المحرك الأول كما تقدم فهو موجد العالم علي هذا الاعتبار ، وهو قبلته التي يرتقي إليها .. شوقا إلي مصدره منها .
وهذه هي الصلة كلها بين الله والعالم: فلا ينسب إلي الله في مذهب أرسطو أنه يهتم بالعالم أو يفكر فيه ، لأنه تفكير فيما دونه أو تفكير بكماله . ولا يعقل الله جل وعلا إلا أشرف معقول ، وهو ذاته دونه سواها .
وهذا هو الخطأ الذي جاء من الغلو في مذهب أرسطو: تناوله الحكماء الدينيون فلم ينكروا المقدمات ولكنهم أنكروا النتيجة التي تأدي إليها أرسطو من مقدماته . فقالوا: إن الله لا يعقل إلا أشرف معقول . نعم لا جدال في ذلك .. ولكن أشرف معقول هو المعقول الذي يتحقق به كمال صفاته من القدرة والعلم والرحمة والوجود . وإنما وجوده بإيجاد المخلوقات ، ويتحقق علمه بنفي الجهل بها ، وتتحقق رحمته برعايتها وتهذيبها . أما كيف ذلك فالبحث فيه هو علة الخطأ في جميع تلك الفروض والأقيسة . لأنه سبحانه وتعالي جل عن الشبيه فليس كمثله شيء وليست أعمالنا كأعماله علي فرض من الفروض .