الصفحة 28 من 112

فالاطلاع علي المستقبل غريب لم تثبته تجربةعلمية قابلة للتكرار ، ولكننا لا نستطيع أن نجزم باستحالته إلا إذا استطعنا أن نجزم بحقيقة الزمن وحقيقة المستقبل ثم جزمنا بأن هذه الحقيقة تناقض العلم بشيء قبل أن يأتي أوانه ويجري في مجراه .

فما هو الزمن ؟

نحن نتخيله في أوهامنا علي صور كثيرة لا تخلو إحداها من نقص ومناقضة لبقية المقررات المسلمة لدينا .

فنحن تارة نتخيل الزمن كأنه بحر يزداد قطرة في كل لحظة ويمتلئ شيئا فشيئا ، ويزال فيه فراغ مهيأ للامتلاء ، وهو فراغ المستقبل المعدوم . ولكن هل الماضي إذن هو الموجود ؟ وهل هو الحاصل المتجمع في بحر الزمان والمستقبل هو المعدوم ؟ وما هو (الآن) الذي ليس بماض ولا بمستقبل ولا يوصف إلا بأنه حاضر غير ماض ولا آت ؟

وتارة نتخيل الزمن كأنه خط ممتد والأوقات المتتابعة كالنقط المنطوية فيه ، ولكننا إذا تتبعنا هذا الخيال لم يذهب بنا إلي بعيد ، لأن الخط ممتد في كل جانب متعمق في كل باطن ، فلا تشابه به بينه وبين الخطوط .

وتارة نتخيل الزمن قابلا للتجزئةولكننا لا نستقر علي المقياس الذي يحكم لنا بالقرب أو البعد أو العمق بين مسافات الأجزاء .

وإذا جزأنا الزمن حكمنا بأن الزمان كله محدود لأن مجموع المحدود محدود ، ولكن ما هي حدود الحاضر ، وما هو الخارج منه والداخل فيه وما هو الفرق بين حاضر وحاضر بمقياس الزمان أو بمقياس الفضاء ؟

علي أنه إذا كان الزمان أجزاء وكان محدودا كأجزائه فقد بقي أمامنا (الأبد) الذي لا ماضي فيه ولا حاضر و مستقبل ولا ينقسم إلا أجزاء ولا يدرك له ابتداء ولا انتهاء ولا حركة بين الابتداء والانتهاء .

فمن الجائز أن (المستقبل) معدوم في الزمان المنقطع موجود في الأبد الذي ليس له انقطاع .

ومن الجائز أن يكون الزمن نفسه متعدد الأبعاد فيتلاقي فيه شيء من الحاضر وشيء من الماضي وشيء من المستقبل في بعض تلك الأبعاد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت